ورد سؤال إلى د. عطية لاشين عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، من مستمعة، تقول في رسالتها: “زوجي مصاب بالمرض، وكلما أخذ حقه الشرعي مني؛ حصل لي ضرر محقق بتقارير الأطباء، فهل إذا امتنعت عنه أكون آثمة شرعًا؟”.
وأجاب د. لاشين عبر صفحته الرسمية بالفيسبوك، قائلا إن عقد الزواج في الشريعة الإسلامية ليس مجرد علاقة عاطفية أو اجتماعية، بل هو عقد شرعي عظيم يرتب حقوقًا متبادلة بين الزوجين، كما يفرض على كل طرف التزامات يجب الوفاء بها، موضحًا أن من هذه الالتزامات التي تقع على عاتق الزوج تجاه زوجته أن ينفق عليها بالمعروف، وأن يوسع عليها في النفقة إذا وسع الله عليه، مستشهدًا بقول الله- تعالى-: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)، مؤكدًا أن هذه الآية تبين عدل الشريعة ومراعاتها للقدرة والاستطاعة.
وأضاف أن من الالتزامات التي أوجبها الشرع على الزوجة تجاه زوجها طاعته في غير معصية الله- عز وجل-، وأن من صور هذه الطاعة عدم الامتناع عن فراشه إذا دعاها، وذلك متى كانت حالتها الصحية والنفسية تسمح بذلك، مشيرًا إلى ما ورد في السنة النبوية من بيان عظم حق الزوج على زوجته، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها)، وكذلك ما ورد من التحذير من امتناع الزوجة دون عذر معتبر.
وأوضح أن هذا الحكم الشرعي ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بضوابط وشروط، في مقدمتها ألا يترتب على استجابة الزوجة لزوجها ضرر محقق عليها، مؤكدًا أن الشريعة الإسلامية قائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد، وأنها لا يمكن أن تأمر بما فيه أذى حقيقي للإنسان، خاصة إذا كان هذا الأذى ثابتًا ومؤكدًا بتقارير طبية موثوقة.
وأشار إلى أنه في حال ثبت يقينًا أن العلاقة الزوجية تسبب ضررًا محققًا للزوجة، سواء كان هذا الضرر بدنيًا أو صحيًا أو حتى نفسيًا بشكل مؤثر؛ فإن امتناعها في هذه الحالة لا يعد معصية ولا إثمًا، بل يكون جائزًا شرعًا، لأن القاعدة العامة في الإسلام هي رفع الضرر، مستدلًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"، وهي قاعدة عظيمة من قواعد الفقه الإسلامي التي تبنى عليها أحكام كثيرة.
وأضاف أن نصوص الشريعة لا تتعارض فيما بينها، وإنما يُفهم كل نص في ضوء الآخر، فالأحاديث التي تأمر الزوجة بطاعة زوجها وعدم الامتناع عنه تُحمل على الحالة التي لا يوجد فيها ضرر، أما إذا وجد الضرر المحقق؛ فإن الحكم يتغير تبعًا لذلك، لافتًا إلى أن العلماء قرروا قاعدة مهمة وهي أن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، أي أن دفع الضرر مقدم على تحقيق المنفعة.
وأوضح أن المصلحة التي تعود على الزوج من المعاشرة لا يجوز أن تكون على حساب ضرر مؤكد يقع على الزوجة، لأن الإسلام دين عدل ورحمة، لا يقر الظلم ولا يسمح بإيقاع الأذى، حتى في إطار العلاقة الزوجية التي تقوم أساسًا على المودة والرحمة، كما قال الله- تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً).
وأكد أن على الزوج في مثل هذه الحالات أن يتفهم الوضع الصحي لزوجته، وأن يتعامل معها بالرفق والرحمة، وألا يطالبها بما يضرها، لأن ذلك يخالف مقاصد الشريعة، كما أن عليهما معًا البحث عن حلول مناسبة تحفظ كرامة الطرفين وتحقق الاستقرار الأسري دون وقوع ضرر.



