تمثل محطة الضبعة النووية واحدة من أكبر المشروعات القومية التي تنفذها الدولة المصرية خلال العقود الأخيرة، ليس فقط لأنها أول محطة نووية لإنتاج الكهرباء في تاريخ البلاد، وإنما لأنها تعكس تحولًا استراتيجيًا في سياسة الطاقة، عبر تنويع مصادر إنتاج الكهرباء والاعتماد على الطاقة النظيفة، بما يعزز أمن الطاقة ويدعم خطط التنمية المستدامة.
وبعد أكثر من أربعة عقود من التخطيط والدراسات الفنية، أصبح المشروع واقعًا على الأرض، مع تحقيق تقدم متسارع في مختلف مراحل التنفيذ، وسط تعاون مصري روسي، وإشراف ورقابة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضمن الالتزام بأعلى معايير الأمان والسلامة النووية.

مشروع استراتيجي لتنويع مصادر الطاقة
تواجه دول العالم تحديات متزايدة في ملف الطاقة نتيجة ارتفاع الطلب على الكهرباء، وتقلبات أسواق الوقود، والتوجه العالمي نحو خفض الانبعاثات الكربونية، وهو ما دفع مصر إلى تبني استراتيجية تقوم على تنويع مزيج الطاقة وعدم الاعتماد على مصدر واحد لإنتاج الكهرباء.
وفي هذا الإطار، يأتي مشروع محطة الضبعة النووية ليشكل ركيزة أساسية في منظومة الطاقة المصرية، من خلال توفير مصدر مستقر لإنتاج الكهرباء يعمل على مدار الساعة، بعيدًا عن تقلبات أسعار الوقود أو الظروف المناخية التي تؤثر في بعض مصادر الطاقة المتجددة.
كما يسهم المشروع في تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي والوقود الأحفوري، بما يسمح بإعادة توجيه كميات أكبر من الغاز للتصدير أو للاستخدامات الصناعية، وهو ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني.
محطة الضبعة.. من الحلم إلى التنفيذ
لم يكن مشروع الضبعة وليد السنوات الأخيرة، بل يعود تاريخه إلى عام 1981 عندما تم تخصيص موقع الضبعة بمحافظة مطروح لإنشاء أول محطة نووية مصرية.
وظل المشروع لسنوات طويلة في مرحلة الدراسات والتخطيط، حتى شهد انطلاقة جديدة مع توقيع الاتفاق الحكومي بين مصر وروسيا عام 2015، والذي وضع الإطار الرسمي لتنفيذ المشروع.
وفي ديسمبر 2017 دخلت العقود التنفيذية حيز التنفيذ، لتبدأ بعدها أعمال الإنشاءات والتجهيزات الهندسية التي تسير وفق جدول زمني محدد.
ويمثل المشروع تتويجًا لمسيرة امتدت لأكثر من 40 عامًا، انتقلت خلالها مصر من مرحلة التخطيط إلى تنفيذ أول برنامج نووي سلمي لإنتاج الكهرباء.
أحدث إنجازات المشروع
شهد المشروع خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الإنجازات المتتابعة التي تؤكد تسارع وتيرة التنفيذ.
وكان أحدث هذه الإنجازات تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الثانية في 9 يوليو 2026، وهي إحدى أهم المراحل الفنية في إنشاء المفاعل النووي، نظرًا لأنها تمثل بداية تركيب المكونات الرئيسية للمفاعل.
وسبق ذلك عدد من المحطات المهمة، أبرزها:
-وصول مكثف التوربينة البخارية للوحدة الأولى في 3 مايو 2026.
-تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الأولى.
-توقيع أمر شراء الوقود النووي في 19 نوفمبر 2025.
-الانتهاء من الصبة الخرسانية للمرحلة الثانية من المستوى الثاني لمبنى وعاء الاحتواء الداخلي للوحدة الثانية في 19 مايو 2025.
وتعكس هذه المراحل التقدم المستمر في تنفيذ المشروع وفق الجدول الزمني المستهدف.
متى يبدأ تشغيل محطة الضبعة؟
وفقًا للخطة المعلنة، من المنتظر أن يبدأ تشغيل الوحدة النووية الأولى خلال النصف الثاني من عام 2028.
وبعدها تدخل الوحدات الثلاث الأخرى الخدمة تباعًا حتى عام 2030، ليعمل المشروع بكامل طاقته الإنتاجية.
ويُعد الالتزام بهذا الجدول الزمني مؤشرًا مهمًا على انتظام سير العمل داخل المشروع، خاصة في ظل الحجم الضخم للأعمال الهندسية والإنشائية التي يتطلبها إنشاء محطة نووية من هذا المستوى.
قدرات إنتاجية ضخمة
تضم محطة الضبعة أربع وحدات نووية، تعتمد جميعها على مفاعلات من طراز VVER-1200، أحد أحدث مفاعلات الجيل الثالث المتقدم، والذي يتميز بأنظمة أمان متعددة تلبي المعايير الدولية الحديثة.
وتبلغ القدرة الإنتاجية الإجمالية للمحطة نحو 4800 ميجاوات، فيما يصل إنتاجها السنوي إلى حوالي 35 مليار كيلووات/ساعة من الكهرباء.
ويمثل هذا الإنتاج إضافة كبيرة للشبكة القومية للكهرباء، ويعزز قدرتها على تلبية الطلب المتزايد على الطاقة خلال السنوات المقبلة.
توفير مليارات الأمتار من الغاز
لا تقتصر أهمية المشروع على إنتاج الكهرباء فقط، بل تمتد إلى تحقيق وفر كبير في استهلاك الوقود التقليدي.
ومن المتوقع أن يسهم تشغيل المحطة في توفير نحو 7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا، وهي كميات يمكن إعادة توجيهها للتصدير أو للصناعات المختلفة، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويزيد من كفاءة استغلال الموارد.
كما يقلل المشروع من الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما ينسجم مع التوجهات العالمية للحد من الانبعاثات الكربونية ومواجهة آثار التغير المناخي.
نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة
يمثل مشروع الضبعة فرصة كبيرة لنقل التكنولوجيا النووية الحديثة إلى مصر، إذ لا يقتصر على إنشاء محطة لإنتاج الكهرباء، بل يشمل أيضًا بناء قاعدة صناعية وخبرات وطنية في مجال الطاقة النووية.
ويشارك في تنفيذ المشروع أكثر من 600 شركة، تمثل الشركات المصرية نحو 25% منها، في حين تبلغ نسبة العمالة المصرية داخل المشروع نحو 80%.
ويتيح ذلك فرصًا واسعة لاكتساب الخبرات، وتوطين الصناعات المرتبطة بالمجال النووي، ورفع كفاءة الكوادر الوطنية في واحد من أكثر القطاعات التقنية تقدمًا.
التزام بمعايير الأمان النووي
يحظى مشروع الضبعة بمتابعة من الجهات الرقابية المصرية، إلى جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضمن الالتزام بالمعايير الدولية الخاصة بالأمان والأمن النووي.
وفي هذا الإطار، أكد المدير العام لمؤسسة "روساتوم" الروسية، أليكسي ليخاتشوف، أن تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية جاء بعد سبعة أشهر فقط من إنجاز العملية نفسها في الوحدة الأولى، وهو ما يعكس سرعة التنفيذ مع الحفاظ على معايير الجودة والأمان.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستتضمن بدء أعمال لحام خط أنابيب دائرة التبريد الرئيسية للمفاعل، وهي خطوة رئيسية ضمن أعمال تركيب الأنظمة النووية.
من جانبه، أشاد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، بالتقدم الذي يشهده المشروع، مؤكدًا استمرار دعم الوكالة لمصر في تطوير برنامجها النووي السلمي وفق أعلى معايير السلامة والأمن النوويين.
أهمية اقتصادية وتنموية
ينظر خبراء الطاقة إلى محطة الضبعة باعتبارها مشروعًا يتجاوز إنتاج الكهرباء، ليصبح أحد محركات التنمية الاقتصادية في مصر خلال العقود المقبلة.
فإلى جانب دعم أمن الطاقة، يسهم المشروع في توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتنشيط الصناعات الهندسية، وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة، فضلًا عن دعم جهود الدولة في التحول نحو الاقتصاد الأخضر وتقليل الانبعاثات.
كما يمنح مصر مكانة متقدمة بين الدول المالكة لبرامج الطاقة النووية السلمية، ويعزز قدرتها على مواكبة التطورات العالمية في قطاع الطاقة.
مستقبل الطاقة في مصر
مع اقتراب تشغيل أول وحدة نووية في محطة الضبعة، تدخل مصر مرحلة جديدة في تاريخ قطاع الكهرباء، تعتمد فيها على مزيج متوازن من الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة والطاقة النووية.
ويمثل المشروع استثمارًا طويل الأجل في مستقبل الطاقة، إذ يوفر مصدرًا مستدامًا للكهرباء لعقود قادمة، ويدعم خطط التنمية الصناعية والعمرانية، ويعزز قدرة الدولة على مواجهة الزيادة المستمرة في الطلب على الطاقة، بما يرسخ مكانة الضبعة كأحد أهم المشروعات الاستراتيجية في تاريخ مصر الحديث.
ومن جانبه، قال الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن مشروع محطة الضبعة النووية يعد أحد أهم المشروعات الاستراتيجية التي تنفذها الدولة المصرية في قطاع الطاقة، لما يمثله من نقلة نوعية نحو تنويع مصادر إنتاج الكهرباء وتعزيز أمن الطاقة على المدى الطويل.
وأضاف أبو العلا في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن الطاقة النووية توفر مصدرًا مستقرًا للكهرباء يعمل على مدار الساعة دون التأثر بالظروف الجوية، وهو ما يمنح الشبكة القومية قدرًا أكبر من الاستقرار والكفاءة، خاصة مع تزايد الطلب على الطاقة نتيجة التوسع العمراني والصناعي الذي تشهده مصر.
ولفت إلى أن محطة الضبعة ستسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وعلى رأسه الغاز الطبيعي، بما يتيح توجيه كميات أكبر منه إلى القطاعات الصناعية أو التصدير، فضلًا عن دورها في خفض الانبعاثات الكربونية ودعم توجه الدولة نحو الطاقة النظيفة.






