كشف سعفان الصغير، مدرب حراس مرمى منتخب مصر، للمرة الأولى عن تفاصيل مؤثرة من رحلة كفاحه بعد اعتزال كرة القدم، وحملت تصريحاته، في طياتها واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثيرًا في الكرة المصرية خلال الفترة الأخيرة، فالرجل الذي وقف اليوم داخل الجهاز الفني للمنتخب، لم يخفِ دموعه وهو يستعيد سنوات القسوة التي عاشها بعد الاعتزال، عندما اضطر للعمل في غسل السيارات والأطباق وتوصيل الطلبات في الولايات المتحدة، قبل أن يعود بعد سنوات ليجلس على مقعد تدريب حراس مرمى المنتخب الوطني.
وجاءت تصريحات سعفان الصغير خلال ظهوره في لقاء تلفزيوني مع الإعلامية لميس الحديدي، لتفتح الباب أمام تفاصيل غير معروفة عن كواليس منتخب مصر، وكيفية اختيار مصطفى شوبير للمشاركة الأساسية، ودور محمد الشناوي داخل الفريق، والأجواء التي يعيشها المنتخب تحت قيادة حسام حسن، إلى جانب رحلة الكفاح الشخصية التي جعلت الكثيرين يتفاعلون مع حديثه.

رحلة بدأت بالانكسار وانتهت بالتكريم
اعترف سعفان الصغير بأن أصعب فترات حياته جاءت عقب اعتزاله كرة القدم في نهاية التسعينيات، إذ وجد نفسه مضطرًا إلى السفر للولايات المتحدة عام 2000 بحثًا عن فرصة عمل بعدما أصبحت الظروف المعيشية بالغة الصعوبة.
وأوضح أنه لم يكن يملك رفاهية اختيار المهنة، فعمل في كل ما أتيح أمامه، بداية من غسل السيارات، مرورًا بغسل الصحون داخل المطاعم، والعمل في "مشحمة"، ثم توصيل الطلبات، مؤكدًا أن تلك المرحلة كانت من أكثر مراحل حياته قسوة، وأنه كان يشعر وقتها بأنه تعرض لانكسار كبير بعد أن كان لاعبًا معروفًا داخل الملاعب.
ورغم قسوة التجربة، شدد على أنه لم يشعر يومًا بالخجل من أي عمل قام به، مؤكدًا أن العمل الشريف لا ينتقص من قيمة صاحبه، بل يمنحه القدرة على الصمود حتى تتغير الظروف.
رسالة ابنته أعادت إليه سنوات الألم
ومن أكثر اللحظات التي أثرت في سعفان الصغير، حديثه عن الرسالة التي كتبتها ابنته عندما عاد إلى الولايات المتحدة ضمن بعثة منتخب مصر.
وقال إن ابنته نشرت رسالة عبر مواقع التواصل الاجتماعي قالت فيها إن هذه هي الدولة نفسها التي "انكسر فيها والدها" قبل أكثر من 25 عامًا، لكنه عاد إليها هذه المرة بطلاً ومدربًا لمنتخب مصر، معربة عن فخرها بما حققه بعد سنوات طويلة من الصبر.
وأكد أن هذه الكلمات كانت من أكثر المواقف تأثيرًا بالنسبة إليه، لأنها لخصت رحلة طويلة من المعاناة إلى النجاح، وجعلته يشعر بأن سنوات التعب لم تذهب هباءً.
أمنية لم تتحقق.. "كان نفسي أمي تكون عايشة"
لم يتمالك سعفان الصغير دموعه عندما تحدث عن والدته الراحلة، مؤكدًا أن أكثر ما كان يتمناه هو أن تكون على قيد الحياة لترى المكانة التي وصل إليها داخل منتخب مصر.
وقال إن والدته عاشت معه أفراح الفوز بالدوري والكأس عندما كان لاعبًا، لكنها رحلت قبل أن تراه مدربًا لحراس مرمى المنتخب الوطني.
وأوضح أن والدته كانت تتألم كثيرًا عندما علمت بحجم المعاناة التي عاشها في الولايات المتحدة، وكانت تشعر بالحزن لما يمر به، لذلك كان يتمنى أن تهديه نجاحه الحالي وأن ترى بنفسها كيف تبدلت الأحوال.
"نفسي أسمع كلمة حلوة"
ورغم النجاحات التي حققها مع المنتخب، كشف سعفان الصغير عن جانب إنساني آخر، قائلاً إنه كان يتمنى فقط أن يسمع كلمات تقدير لعمله، خاصة بعدما أشاد الجميع بالمستوى الذي ظهر به مصطفى شوبير.
وقال إن نجاح الحارس هو نجاح لمدربه أيضًا، مضيفًا أن الإشادة بمصطفى شوبير كانت بالنسبة إليه بمثابة إشادة بعمله، لكنه شعر أحيانًا وكأنه غير موجود، وأن أحدًا لم يوجه له كلمة تقدير على الجهد الذي بذله.
وأوضح أن أكثر ما أسعده هو شعوره بأن العمل الذي قام به بدأ يظهر على أداء الحارس داخل الملعب، وهو ما اعتبره أكبر مكافأة معنوية له.
لماذا اختار الجهاز الفني مصطفى شوبير؟
بعيدًا عن الجانب الإنساني، كشف سعفان الصغير تفاصيل اختيار مصطفى شوبير ليكون الحارس الأساسي للمنتخب في كأس العالم.
وأكد أن القرار لم يكن فرديًا، وإنما جاء بعد مناقشات داخل الجهاز الفني، شارك فيها هو وطارق سليمان ومحمد عبدالواحد، قبل عرض الأمر على إبراهيم حسن، بينما كان القرار النهائي من اختصاص المدير الفني حسام حسن.
وأشار إلى أن الاختيار استند إلى اعتبارات فنية بحتة، أبرزها جاهزية مصطفى شوبير، واستمراره في المشاركة مع ناديه، إلى جانب المستوى الذي ظهر به في المباريات الأخيرة.
وأضاف أن الحارس يمتلك شخصية قوية وطموحًا لا يتوقف، فضلًا عن رغبته الدائمة في تطوير مستواه وخوض تجربة الاحتراف الأوروبي مستقبلًا.
مقارنة مثيرة بين الأب والابن
من أكثر التصريحات التي أثارت الجدل، تأكيد سعفان الصغير أن مصطفى شوبير يتفوق فنيًا على والده أحمد شوبير في مركز حراسة المرمى.
وأوضح أن هذا الرأي ليس وليد اليوم، وإنما تكوّن لديه منذ سنوات، وقبل انضمامه إلى الجهاز الفني للمنتخب، بعدما تابع تطور اللاعب بشكل مستمر.
وأشار إلى أن مصطفى يتميز بسرعة رد الفعل، والهدوء، والقدرة على التعلم، إضافة إلى حرصه الدائم على متابعة تسجيلات المنافسين وتحليل أدائهم، وهي أمور تعكس احترافيته ورغبته في التطور.
محمد الشناوي.. قائد قبل أن يكون لاعبًا
ورغم اختيار مصطفى شوبير، حرص سعفان الصغير على الإشادة بمحمد الشناوي، مؤكدًا أن قائد المنتخب تعامل مع القرار بمنتهى الاحترافية.
وأوضح أن إبراهيم حسن هو من أبلغ الشناوي بأنه سيكون الحارس الثاني، لافتًا إلى أن اللاعب شعر بالحزن بشكل طبيعي، لكنه لم يسمح لهذا الحزن بأن يؤثر على الفريق.
وكشف عن موقف وصفه بأنه يجسد شخصية الشناوي، إذ فوجئ خلال مباراة أستراليا بأن الحارس المخضرم هو من كان يقوم بتسخين مصطفى شوبير بين الشوطين استعدادًا لنزوله إلى الملعب، في مشهد يعكس روح الفريق وعدم وجود أي خلافات داخل المنتخب.
وأضاف أن الشناوي لم يطلب المشاركة لدقائق قليلة من أجل تحقيق أرقام شخصية، واضعًا مصلحة المنتخب فوق أي اعتبارات أخرى.
حسام حسن غيّر شكل المنتخب
وفي تقييمه للجهاز الفني، أكد سعفان الصغير أن حسام حسن أحدث تحولًا كبيرًا داخل منتخب مصر، سواء على مستوى الانضباط أو الروح القتالية.
وأوضح أن معسكرات المنتخب أصبحت مختلفة تمامًا عن السابق، حيث يسودها الالتزام والانضباط، مع وجود حالة من المنافسة الإيجابية بين جميع اللاعبين.
وأشار إلى أن محمد صلاح نفسه أشاد بهذه الأجواء، معتبرًا أن أحد أفضل المعسكرات التي خاضها مع المنتخب كان تحت قيادة حسام حسن، وهو ما يعكس حجم التغيير الذي طرأ على الفريق.
وأضاف أن حسام وإبراهيم حسن يحرصان دائمًا على غرس روح المسؤولية داخل اللاعبين، وإقناعهم بأن كل مباراة تمثل مسؤولية أمام ملايين المصريين.
المدرب الوطني أم الأجنبي؟
وتطرق سعفان الصغير إلى الجدل الدائم حول الأفضلية بين المدرب الوطني والأجنبي، مؤكدًا أن المدير الفني المصري يمتلك ميزة لا تتوافر لدى غيره، وهي الشعور الحقيقي بالشارع المصري والجماهير.
وأوضح أن المدرب الأجنبي قد يمتلك خبرات فنية كبيرة، لكنه لا يشعر بنفس درجة الانتماء والضغط الجماهيري التي يعيشها المدرب الوطني، وهو ما ينعكس على طريقة تعامله مع اللاعبين.
وأشار في الوقت نفسه إلى أن الانضباط لا يرتبط بجنسية المدرب، لكنه يرى أن معسكرات المنتخب الحالية شهدت مستوى أعلى من الالتزام مقارنة ببعض الفترات السابقة.
لحظة غضب لا تمحو المشوار
ورغم ما حققه مع المنتخب، لم تخلِ مسيرة سعفان الصغير من لحظات انفعال، بعدما فقد أعصابه في إحدى مباريات المنتخب، وهو ما أدى إلى حصوله على بطاقة حمراء، قبل أن ينجح أفراد الجهاز الفني في تهدئته سريعًا.
لكن هذه الواقعة لم تحجب الصورة الأكبر، وهي أن الرجل يعيش واحدة من أهم محطات حياته المهنية، بعد رحلة امتدت من الملاعب إلى الغربة، ومن الأعمال الشاقة إلى تدريب حراس مرمى منتخب مصر.
قصة تتجاوز كرة القدم
لم يكن حديث سعفان الصغير مجرد تصريحات عن حارس مرمى أو مدير فني، بل كان شهادة إنسانية على أن النجاح لا يأتي دائمًا عبر طريق مستقيم. فمن رجل اضطر إلى غسل الصحون والسيارات والعمل في وظائف متعددة من أجل لقمة العيش، إلى مدرب يقف اليوم مع منتخب مصر في أكبر المحافل الدولية، تبدو رحلته نموذجًا للإصرار على تجاوز المحن.
وربما كانت أكثر جملة لخصت مشاعره هي اعترافه بأنه لا يبحث عن شيء بقدر ما يتمنى أن يسمع كلمة تقدير على ما قدمه، وهي رسالة لاقت تفاعلًا واسعًا بين جماهير الكرة المصرية، التي رأت في قصته مثالًا على أن الكفاح الحقيقي قد يبدأ بعد نهاية المسيرة الرياضية، وأن النجاح أحيانًا يكون ثمرة سنوات طويلة من الصبر والعمل بعيدًا عن الأضواء.






