تقترب أوروبا أكثر من واقع مناخي مختلف تمامًا عما عرفته لعقود، فما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره موجات حر استثنائية، أصبح يتكرر بوتيرة متسارعة، وبشدة أكبر، مخلفًا آلاف الضحايا، وحرائق غابات واسعة، وخسائر اقتصادية تتجاوز مليارات اليوروهات.
وخلال صيف 2026، تحولت القارة العجوز إلى واحدة من أكثر مناطق العالم تأثرًا بالتغير المناخي، بعدما سجلت درجات الحرارة مستويات قياسية، بينما قدرت دراسات أولية عدد الوفيات المرتبطة بالحرارة بنحو 20 ألف حالة خلال أسابيع قليلة فقط.
لم يعد الصيف الأوروبي مرادفًا للإجازات والشواطئ والطقس المعتدل، بل أصبح موسمًا للإنذارات الحمراء والإجلاءات الجماعية وتحذيرات السلطات الصحية من الخروج في ساعات الذروة. ففي نهاية يونيو وبداية يوليو، اجتاحت موجة حر غير مسبوقة دولًا عدة، تجاوزت خلالها درجات الحرارة حاجز 40 درجة مئوية في مناطق من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال واليونان.
وسجلت مدن في ألمانيا وبلجيكا وهولندا مستويات أعلى بكثير من المعدلات الطبيعية، ويرى علماء المناخ أن ما يحدث ليس حدثًا استثنائيًا، وإنما نتيجة مباشرة للتغير المناخي الذي أدى إلى زيادة تكرار موجات الحر وإطالة مدتها ورفع شدتها، وهو ما جعل أوروبا إحدى أكثر القارات تعرضًا لآثار الاحترار العالمي.

نحو 20 ألف وفاة.. "القاتل الصامت" يحصد الأرواح
تشير تقديرات علمية أولية إلى أن موجة الحر الأخيرة ربما تسببت في وفاة نحو 20 ألف شخص في أوروبا، معظمهم من كبار السن، ومرضى القلب والجهاز التنفسي، وأصحاب الأمراض المزمنة.
وتؤكد المؤسسات الصحية أن الحرارة المرتفعة لا تقتل بصورة مباشرة في كثير من الأحيان، بل تؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، مثل الإجهاد الحراري، والجفاف الحاد، واضطرابات الدورة الدموية، وارتفاع احتمالات الإصابة بالسكتات الدماغية والأزمات القلبية، وهو ما يجعل تسجيل الوفاة بسبب الحرارة أمرًا أكثر تعقيدًا في الإحصاءات الرسمية.
ولهذا تصف صحيفة الدايلي ميل، موجات الحر بأنها "القاتل الصامت"، لأنها تحصد آلاف الأرواح دون أن تترك وراءها المشاهد الدرامية التي تخلفها الزلازل أو الفيضانات.
ألمانيا وفرنسا وإسبانيا بين الأكثر تضررًا
كانت ألمانيا من أكثر الدول الأوروبية تأثرًا، إذ أعلنت السلطات الصحية ارتباط أكثر من خمسة آلاف حالة وفاة بموجات الحر منذ بداية العام، بينما سجلت فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا آلاف الوفيات الزائدة خلال الأسابيع الأخيرة.
ويرجح الباحثون أن تكون الحصيلة الحقيقية أعلى من الأرقام المعلنة، لأن كثيرًا من الوفيات تُسجل نتيجة أمراض القلب أو الجهاز التنفسي أو الفشل الكلوي، رغم أن الحرارة الشديدة تكون السبب الرئيسي الذي أدى إلى تدهور الحالة الصحية.
كما وضعت درجات الحرارة القياسية أنظمة الرعاية الصحية تحت ضغط غير مسبوق، مع ارتفاع أعداد المرضى الوافدين إلى أقسام الطوارئ بسبب الجفاف والإجهاد الحراري والإغماء.
الليالي الاستوائية.. أزمة جديدة تهدد الصحة
ولم تتوقف آثار موجة الحر عند ساعات النهار فقط، بل امتدت إلى الليل أيضًا، فيما يعرف بـ"الليالي الاستوائية"، وهي الليالي التي لا تنخفض فيها درجات الحرارة إلى مستويات تسمح للجسم بالحصول على الراحة الطبيعية.
وحذرت تقارير صحية أوروبية من أن استمرار ارتفاع الحرارة ليلًا يؤدي إلى اضطرابات النوم، والإجهاد المزمن، وزيادة الضغط على القلب، فضلًا عن ارتفاع احتمالات الإصابة بالجفاف، خاصة بين كبار السن.
وتواجه المدن الأوروبية الكبرى ظاهرة "الجزر الحرارية"، حيث تحتفظ المباني الخرسانية والطرق بالإشعاع الحراري لساعات طويلة بعد غروب الشمس، ما يجعل درجات الحرارة داخل المدن أعلى من المناطق الريفية المحيطة.
حرائق الغابات.. النار تلتهم آلاف الهكتارات
بالتزامن مع موجات الحر، اندلعت حرائق واسعة في عدد من الدول الأوروبية، خاصة إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا واليونان.
وأدت درجات الحرارة المرتفعة والجفاف الشديد إلى تحويل الغابات والأراضي الزراعية إلى بيئة شديدة القابلية للاشتعال، لتنتشر النيران بسرعة كبيرة مع هبوب الرياح.
واضطرت السلطات إلى تنفيذ عمليات إجلاء واسعة للسكان، وإغلاق طرق رئيسية، وإعلان حالة الطوارئ في عدد من الأقاليم، بينما واصلت فرق الإطفاء معاركها لاحتواء الحرائق ومنع امتدادها إلى المناطق السكنية.
وفي بعض المناطق، التهمت النيران آلاف الهكتارات من الغابات، مخلفة خسائر بيئية واقتصادية كبيرة، إلى جانب تدمير منازل ومزارع وبنية تحتية.
حلقة مفرغة بين الحرائق والاحتباس الحراري
ويؤكد خبراء المناخ أن العلاقة بين موجات الحر وحرائق الغابات أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى فكلما ارتفعت درجات الحرارة، زادت معدلات تبخر المياه وجفاف التربة والنباتات، وهو ما يرفع احتمالات اندلاع الحرائق.
وفي المقابل، تؤدي حرائق الغابات إلى إطلاق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون والجسيمات الملوثة في الغلاف الجوي، وهو ما يعزز ظاهرة الاحتباس الحراري ويزيد احتمالات حدوث موجات حر أشد في المستقبل وبذلك تتحول الظاهرتان إلى دائرة مغلقة، تغذي كل منهما الأخرى بصورة متواصلة.
أوروبا تواجه واقعًا مناخيًا جديدًا
تشير بيانات المناخ إلى أن أوروبا أصبحت من أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة مقارنة بمتوسطات القرن الماضي.
ففي عام 2022، قدرت الدراسات عدد الوفيات المرتبطة بالحرارة بأكثر من 60 ألف شخص، بينما ارتفعت التقديرات في عام 2024 إلى أكثر من 62 ألف وفاة.
وسجل عام 2025 تقديرات تجاوزت 16 ألف وفاة نتيجة موجات الحر، وهو ما يعكس تصاعد الأزمة عامًا بعد آخر.
ويرى الباحثون أن استمرار صيف 2026 بالمعدلات الحالية قد يدفع حصيلة الضحايا إلى مستويات مقلقة إذا استمرت موجات الحر خلال شهري يوليو وأغسطس.
ضربة قوية للاقتصاد الأوروبي
لم تتوقف تداعيات موجة الحر عند القطاع الصحي، بل امتدت إلى الاقتصاد الأوروبي بأكمله.
وتعرض القطاع الزراعي لخسائر كبيرة نتيجة الجفاف وانخفاض إنتاج المحاصيل، بينما واجهت شبكات الكهرباء ضغوطًا هائلة بسبب الزيادة القياسية في استخدام أجهزة التكييف.
وأثرت درجات الحرارة المرتفعة في قطاع النقل، بعدما اضطرت بعض شركات السكك الحديدية إلى تقليل السرعات حفاظًا على سلامة القضبان، في حين تضررت بعض الطرق والمطارات نتيجة تمدد المواد المستخدمة في البنية التحتية.
وفي قطاع الطاقة، اضطرت بعض محطات الطاقة النووية إلى تقليص إنتاجها بسبب ارتفاع حرارة المياه المستخدمة في عمليات التبريد، وهو ما زاد الضغوط على أسواق الكهرباء في عدد من الدول.
من الأكثر عرضة للخطر؟
تشير الهيئات الصحية الأوروبية إلى أن الفئات الأكثر تأثرًا بموجات الحر تشمل:
-كبار السن، خاصة من تجاوزوا 65 عامًا.
-مرضى القلب والأوعية الدموية.
-مرضى الجهاز التنفسي.
-مرضى السكري والكلى.
-الأطفال والرضع.
العمال الذين يقضون ساعات طويلة في الهواء الطلق.
أصحاب الدخل المحدود الذين لا تتوافر لديهم وسائل تبريد مناسبة.
وتحذر المؤسسات الصحية من أن هذه الفئات تحتاج إلى متابعة مستمرة خلال موجات الحر، مع الحرص على شرب المياه بكميات كافية، وتجنب التعرض المباشر للشمس، واللجوء إلى أماكن جيدة التهوية.
هل أصبحت موجات الحر هي الوضع الطبيعي؟
ويرى خبراء المناخ أن السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كانت أوروبا ستتعرض لموجات حر جديدة، وإنما حول مدى شدتها وعدد ضحاياها.
فالمؤشرات المناخية الحالية تشير إلى أن موجات الحر ستصبح أكثر تكرارًا وطولًا خلال العقود المقبلة، ما لم تنجح الجهود الدولية في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة والحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.
ويؤكد الباحثون أن التكيف مع هذا الواقع الجديد يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وزيادة المساحات الخضراء داخل المدن، وتحسين خدمات الرعاية الصحية، وتعزيز خطط مكافحة حرائق الغابات.
صيف يغير وجه أوروبا
تكشف أحداث صيف 2026 أن التغير المناخي لم يعد تهديدًا مستقبليًا، بل أصبح واقعًا يوميًا تعيشه أوروبا بكل تفاصيله.
من جانبها، قالت الدكتورة منار غانم، عضو المركز الإعلامي بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، إن موجة الحر التي تضرب عددًا من الدول الأوروبية تُعد من الظواهر الجوية الاستثنائية المرتبطة بالتغيرات المناخية، موضحة أنها رفعت درجات الحرارة إلى مستويات تفوق المعدلات الطبيعية بنحو 10 إلى 15 درجة مئوية في بعض المناطق، نتيجة تأثرها بما يُعرف بـ"القبة الحرارية".
وأضافت غانم، في تصريحات لـ صدى البلد، أن الأوضاع الجوية في مصر تختلف عن أوروبا، وهو ما يجعل البلاد بعيدة عن التأثر المباشر بهذه الموجة خلال الفترة الحالية، مشيرة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في غرب أوروبا يرجع أيضًا إلى تدفق كتل هوائية شديدة الحرارة قادمة من شمال أفريقيا، امتد تأثيرها إلى بعض المناطق في المغرب والجزائر وتونس.
وأكدت أن مصر لن تتأثر بموجة الحر الأوروبية، إلا أن فصل الصيف بطبيعته يشهد فترات ترتفع فيها درجات الحرارة، يصاحبها ارتفاع في نسب الرطوبة، وهو ما يؤدي إلى زيادة الإحساس بحرارة الطقس، داعية المواطنين إلى اتباع الإرشادات الوقائية خلال فترات الذروة، خاصة مع استمرار الأجواء الحارة والرطبة.
وحذرت عضو المركز الإعلامي بالهيئة العامة للأرصاد الجوية من أن استمرار موجات الحرارة المرتفعة لفترات طويلة قد يترك آثارًا سلبية على القطاع الزراعي، موضحة أن الموجات الاستثنائية الممتدة قد تؤثر في إنتاجية المحاصيل الزراعية وتقلل من كفاءتها، بما يعكس أحد أبرز تداعيات التغيرات المناخية على الأمن الغذائي والأنشطة الاقتصادية.







