قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

شحاتة السيد يكتب : ماذا بعد اكتشاف 1ملم 3 من دماغ الإنسان؟

شحاتة السيد
شحاتة السيد

هناك لحظات قليلة في تاريخ العلم لا يكتشف فيها الإنسان شيئاً جديداً بقدر ما يكتشف أنه لم يكن يعرف شيئاً تقريباً، وأعتقد أن ما حدث حين نجح العلماء في إعادة بناء خريطة ثلاثية الأبعاد لجزء من دماغ الإنسان لا يتجاوز حجمه 1 ملم3 كان واحداً من تلك اللحظات النادرة التي يتراجع فيها الاكتشاف خطوة إلى الخلف، ويتقدم السؤال إلى الواجهة.


من السهل أن نحتفل بالإنجاز، وأن نتحدث عن المجاهر الإلكترونية، وعن الخوارزميات، وعن القدرات الحاسوبية التي عالجت ما يقارب 1.4 تيرابايت من البيانات، لكن كل ذلك بدا لي أقل إثارة من سؤال يراودني كلما أعدت القراءة، ماذا لو كان أعظم ما اكتشفه العلماء داخل 1 ملم3 من دماغ الإنسان هو حجم جهلنا بالإنسان نفسه؟

والحقيقة أننا لطالما تعاملنا مع الدماغ كما نتعامل مع أي عضو آخر في الجسد، نحاول أن نفهم بنيته، ونرسم خرائطه، ونسمي أجزاؤه، ونربط كل منطقة بوظيفة محددة، حتى تولد لدينا شعور خفي بأننا اقتربنا كثيراً من فك هذا اللغز، لكن الطبيعة، كما يبدو، لا تمنح أسرارها بهذه السهولة، فهي كثيراً ما تسمح لنا بأن نرى، ثم تؤجل الفهم إلى أجل لا نعرفه، وكأنها تريد أن تذكرنا في كل مرة أن الفرق بين النظر إلى الشيء ومعرفته يشبه الفرق بين قراءة خريطة مدينة وبين أن تعيش فيها سنوات طويلة.

ولعل أكثر ما شد انتباهي أن العلماء لم يدرسوا الدماغ كله، ولم يحاولوا الإحاطة بهذا الكون الهائل الذي نحمله فوق أكتافنا، بل توقفوا أمام مساحة متناهية الصغر، مساحة لا تتجاوز 1 ملم3، وهي مساحة قد تبدو في نظر كثيرين غير جديرة بكل هذا الجهد، لكن هذه القطعة الصغيرة وحدها احتوت على ما يقرب من 57 ألف خلية، وأكثر من مليون مشبك عصبي، وشبكة أوعية دموية يزيد طولها على 230 مم، حتى بدا الأمر وكأن هذا الجزء الصغير يخفي داخله مدينة كاملة، بل ربما حضارة كاملة، تعمل في صمت منذ لحظة ولادتنا وحتى آخر نبضة في حياتنا.

تأملت هذه الأرقام طويلاً، ثم أدركت أن الخطأ ليس في أنها كبيرة، وإنما في أننا اعتدنا النظر إلى الأرقام باعتبارها نهاية القصة، بينما هي في الحقيقة بدايتها. حين يخبرك أحدهم أن داخل 1 ملم3 فقط يوجد 150 مليون مشبك عصبي، فالسؤال لا يتعلق بعددها، وإنما بما تفعله.
كيف تتحول هذه الملايين من نقاط الاتصال إلى وجه تحفظه الذاكرة منذ الطفولة؟ كيف تتحول إلى لغة، ثم إلى فكرة، ثم إلى قصيدة، ثم إلى دمعة تنزل من عين إنسان حين يسمع اسماً غاب عنه عشرات السنين؟ كيف تستطيع المادة أن تحمل كل هذا المعنى دون أن تفقد طبيعتها المادية؟ وكيف يستطيع العقل أن يخرج من شبكة تبدو، في نهايتها، مجرد خلايا تتبادل الإشارات؟

كلما توغلت في هذه الأسئلة، شعرت أن العلم هنا لا يرسم خريطة للدماغ، بل يرسم حدود العلم نفسه.. ولعله من السهل أن نحدد مكان الخلية، وأن نقيس طول الوعاء الدموي، وأن نتابع مسار الإشارة العصبية، لكن أين توجد الفكرة؟ في أي نقطة تحديداً تتحول الإشارة الكهربائية إلى إحساس بالحنين؟ وأين يسكن الإيمان؟ وأين يختبئ الخيال؟ وهل يمكن لمجهر، مهما بلغت دقته، أن يرى لحظة ولادة المعنى؟

ربما يبدو هذا الحديث أقرب إلى الفلسفة منه إلى علم الأعصاب، لكنني أعتقد أن العلم نفسه هو الذي يقودنا إليه.. لأن كل اكتشاف عظيم لا يجيب عن الأسئلة القديمة فقط، وإنما يخلق أسئلة جديدة لم نكن نملك حتى اللغة الكافية لطرحها.
ولهذا خرجت من هذا البحث العميق بشعور مختلف تماماً عن ذلك الذي دخلت به، ولم أشعر أن الإنسان أصبح أقرب إلى فهم دماغه، وإنما شعرت أن الدماغ أصبح أكثر قدرة على تذكير الإنسان بحدود معرفته.

وأظن أن هذه هي المفارقة التي تستحق التأمل لأننا نتحدث بثقة مذهلة عن الذكاء الاصطناعي، وعن النماذج اللغوية، وعن الشبكات العصبية الاصطناعية، وكأن العقل البشري أصبح كتاباً مفتوحاً لم يعد يحمل كثيراً من الأسرار، بينما يأتي 1 ملم3 فقط ليقول لنا شيئاً مختلفاً تماماً.
يقول لنا إن النموذج الذي نحاول محاكاته ما زال غامضاً إلى درجة أن جزءاً لا يرى منه احتاج إلى سنوات من العمل حتى يصبح مرئياً، ثم احتاج إلى خيال علمي وفلسفي أكبر كي نحاول فهم ما رأيناه.

لهذا السبب كلما سمعت من يقول أن الذكاء الاصطناعي بدأ يقترب من العقل البشري، أعود بذاكرتي إلى هذه القطعة الصغيرة، لأتذكر أن الفرق بين محاكاة وظيفة من وظائف العقل، وبين فهم العقل نفسه، يشبه الفرق بين أن تحفظ جميع الكلمات الموجودة في معجم، وبين أن تقع في الحب لأول مرة... فالكلمات يمكن عدها، وترتيبها، وتحليلها، أما التجربة فلا تزال تفلت من كل محاولة لاختزالها في معادلة أو صورة أو خريطة.

ولعل أكثر ما أثار دهشتي أنني لم أشعر بانتصار الإنسان على المجهول، وإنما منحني شعوراً أكثر تواضعاً، وكأن العلم وقف أمام هذه القطعة المتناهية الصغر، ثم قال بصوت خافت، لقد استطعنا أن نرى أكثر مما رأيناه من قبل، لكننا ما زلنا في بداية الطريق، لأن رؤية البناء شيء، وفهم سر الحياة التي تدب فيه شيء آخر تماماً، وبين الأمرين مسافة قد تكون أكبر من كل المسافات التي قطعها العلم منذ بدأ الإنسان يسأل أول سؤال.

وحين وصلت إلى هذه الفكرة، توقفت عن النظر إلى هذه الأبحاث والدراسات باعتبارها إنجازاً في علم الأعصاب، وبدأت أقرأها باعتبارها سؤالاً جديداً عن الإنسان. 
ربما أخطأنا طوال عقود حين اعتقدنا أن الطريق إلى فهم العقل يبدأ من زيادة دقة المجهر، لأن المجهر، مهما بلغت قدرته، يرى المادة فقط، أما العقل فيترك آثاره داخل المادة ولا يسكنها بالمعنى الذي اعتدنا أن نفهم به الأشياء.


لا نستطيع أن نرى الخلايا، وأن نحصي المشابك العصبية، وأن نتابع الإشارات وهي تنتقل من مكان إلى آخر، ولا نستطيع أن نرى الفكرة وهي تقرر أن تولد، ولا أن نمسك بالوعي في اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنه موجود، ولا أن نفسر لماذا تتحول الذكرى نفسها إلى ضحكة عند شخص، وإلى دمعة عند آخر.

كلما تعمقت في التعلم، ازداد اقتناعي بأن أكبر خطأ ارتكبه الإنسان الحديث أنه خلط بين تفسير الآلية وتفسير المعنى.. وأقول أنه من السهل أن نعرف كيف ينبض القلب، لكن هذا لا يخبرنا لماذا يخفق حين نرى من نح، ومن السهل أن نصف الإشارات الكهربائية داخل الدماغ، لكن ذلك لا يفسر لماذا تستطيع جملة واحدة سمعناها قبل 30 عاماً أن تعود فجأة فتغير حالتنا النفسية في لحظة واحدة، وكأن الزمن لم يمر أصلاً. 
هناك دائماً شيء يفلت من القياس، ليس لأنه ضد العلم، وإنما لأن العلم نفسه يعترف بأن لكل أداة حدودها، والمجهر لم يصنع لكي يرى المعنى، كما أن الميزان لم يصنع لكي يزن الحنين.

ولهذا أجدني أبتسم كلما سمعت من يعلن بثقة أن الذكاء الاصطناعي يقترب من الوعي، لأن هذا الإعلان يفترض ضمناً أننا اتفقنا أولاً على معنى الوعي، بينما الحقيقة أننا لم نفعل.
منذ قرون والفلاسفة وعلماء الأعصاب وعلماء النفس يتجادلون حول السؤال نفسه دون أن يصلوا إلى كلمة أخيرة، وما زلنا حتى هذه اللحظة لا نعرف أين تنتهي المادة وأين يبدأ الإدراك، ولا كيف تتحول شبكة هائلة من الخلايا إلى ذلك الصوت الصامت الذي نسميه "أنا".

وربما لهذا السبب يبدو لي أن الشبكات العصبية الاصطناعية، على عظمتها، أكثر تواضعاً من بعض الخطابات التي تتحدث عنها لأنها هي نفسها أو من صنعها لا تدعي أنها عقل، ولا تزعم أنها وعي، وإنما تؤدي ما صممت من أجله بكفاءة مذهلة، أما نحن فنميل أحياناً إلى منحها أوصافاً لم ننجح بعد في تعريفها داخل أنفسنا..  إنها مفارقة تستحق التأمل، فالإنسان الذي لم يحسم بعد سؤال الوعي، أصبح مستعداً لأن يمنحه للآلة.

وأعتقد أن البحث الذي نشرته هارفارد يعيد ترتيب هذه العلاقة من جديد.. هو متوازن ولا يقلل من قيمة الذكاء الاصطناعي، بل يمنحه مكانه الطبيعي. 
نعم، استطعنا أن نبني نماذج تتعلم، وأن نصنع شبكات تكتشف الأنماط، وأن نطور أنظمة قادرة على إنتاج معرفة مذهلة، لكننا في الوقت نفسه اكتشفنا أن النموذج الذي استلهمنا منه كل ذلك ما زال يخفي من الأسرار ما يجعل كل إنجاز حققناه يبدو كخطوة أولى في رحلة طويلة جداً.

تأمل يا عزيزي القارئ معي هذا المشهد قليلاً. 
علماء من تخصصات مختلفة، ومختبرات متقدمة، ومجاهر إلكترونية هي الأدق في تاريخ البشرية، وقدرات حاسوبية هائلة، وسنوات من العمل المتواصل، ثم يكون الناتج النهائي خريطة لجزء لا يتجاوز 1 ملم3. 
قد يرى البعض في ذلك دليلاً على تعقيد الدماغ، أما أنا فأراه دليلاً على شيء آخر، على أن الخالق حين أبدع الإنسان لم يخلق عضواً يؤدي وظيفة، وإنما أوجد كوناً مصغراً، كوناً يحمل داخله نظاماً بالغ الدقة إلى درجة أن فهم جزء ضئيل منه أصبح مشروعاً علمياً عالمياً.

هنا تحديداً بدأت أنظر إلى الشبكات العصبية الاصطناعية بطريقة مختلفة.
نحن نقول أنها مستوحاة من الدماغ، وهذه العبارة صحيحة، لكنها تخفي حقيقة أكثر عمقاً، وهي أن كل محاولة لمحاكاة الدماغ تكشف لنا في النهاية كم أن الدماغ بعيد عن المحاكاة الكاملة. كل طبقة جديدة نضيفها إلى النماذج تجعلها أكثر كفاءة، لكنها تجعلنا أيضاً أكثر إدراكاً بأننا ما زلنا نحاكي أثراً من آثار العقل، لا العقل نفسه.

أدركت أن الفرق بين العقل والشبكة العصبية يشبه الفرق بين النور والمصباح، تستطيع أن تصنع مصباحاً أكثر قوة، وأن تطور مادته، وأن تغير شكله، لكن النور الذي يخرج منه يظل شيئاً مختلفاً عن الزجاج والأسلاك والمعدن. وكذلك العقل، الشبكات العصبية قد تكون بنيته، لكنها ليست كل قصته، تماماً كما أن الحروف هي بنية القصيدة، لكنها ليست الشعر.

ولعل أكثر ما خرجت به بعد كل هذه القراءة أن الإنسان، كلما اقترب من فهم نفسه، ازداد تواضعاً أمام نفسه، وهذا في رأيي هو المعنى الحقيقي للتقدم العلمي. لأن العلم لا يجعل الإنسان متكبراً، وإنما يجعله أكثر إدراكاً لحجم ما يجهله، وكل اكتشاف عظيم لا يقول لنا إن الطريق انتهى، لكنه يهمس في آذاننا بأن البداية كانت أبعد مما كنا نظن.

ولهذا لا أرى أن أعظم ما حققه العلماء أنهم رسموا خريطة دقيقة لـ 1 ملم3 من دماغ الإنسان، وإنما أنهم أعادوا إلينا سؤالاً كدنا نفقده وسط ضجيج التكنولوجيا، سؤالاً بسيطاً في كلماته، عميقاً في معناه، من نحن حقاً؟

ربما نحتاج إلى سنوات أخرى حتى نرسم بقية الدماغ، وربما نحتاج إلى عقود حتى نفهم جانباً أكبر من آلياته، وربما تنجح الشبكات العصبية يوماً في محاكاة وظائف لم نكن نتخيل أنها قابلة للمحاكاة، لكنني أظن أن سؤالاً واحداً سيظل ينتظرنا في نهاية كل اكتشاف، سؤال لا يستطيع المجهر أن يجيب عنه، ولا الحاسوب أن يحسمه، ولا الخوارزمية أن تنهي الجدل حوله، كيف استطاع هذا القدر المذهل من المادة أن يحمل كل هذا القدر المذهل من المعنى؟