لا أظن أن هناك لحظة فارقة بعينها يمكن أن نشير إليها بإصبع الاتهام، فنقول هنا، بالضبط، بدأ الانحدار. فالانحدار، في الحقيقة، عملية تراكمية بطيئة، تشبه فعل النخر في العظم، لا تكاد تبصره العين المجردة حتى يستفحل الأمر، وحتى نستيقظ ذات صباح على واقع ثقافي يثير الغثيان. واقع تغيرت فيه وزارة الثقافة من مؤسسة معنية بصياغة الوجدان الوطني، إلى ما يشبه صالونًا خاصًا تديره نخبة منعزلة، لا هم لها إلا إعادة إنتاج شروط عزلتها، والتأكيد على امتيازها المزعوم على عامة الشعب.
هذه النخبة، التي احتكرت الفعل الثقافي وأقصت الجماهير عنوة أو تقاعسًا، تمارس طقوسها في حلقات مغلقة، تكتب لبعضها البعض بلغة مشفرة لا يفك طلاسمها إلا أفراد الشلة نفسها، وتوزع الجوائز والتكريمات كما توزع الهدايا والعطايا في الأعياد، في مشهد لا يختلف في جوهره، من منظور التحليل الاجتماعي، عن طقوس البلاطات الملكية القديمة في توزيع الصلات والهبات على الموالين.
وهذا الانحدار لم يكن ليحدث لولا تضافر جملة من العوامل التاريخية والبنيوية، يأتي في مقدمتها التصور الخاطئ الذي استقر في الأذهان، سواء داخل أروقة الدولة أو لدى قطاعات واسعة من المثقفين أنفسهم، ومفاده أن الثقافة لون من ألوان الرفاهية، وأنها سلعة كمالية لا مكان لها إلا بعد أن تشبع البطون وتسترخي الأجساد.
وهذا التصور ليس بريئًا على الإطلاق، ولا هو مجرد خطأ في الفهم يمكن تصحيحه بنقرتين على الكمبيوتر. إنه، في العمق، انعكاس أمين لنظرة طبقية متأصلة في البنى الذهنية، نظرة تكرس الانقسام الرأسي في المجتمع بين (مثقفين) ينتجون الثقافة ويستهلكونها ويحرسون أسوارها العالية، و(عامة) ينتجون السلع المادية ويستهلكون الفتات الفكري والوجداني.
هذه النظرة هي التي جعلت الثقافة في مصر، على مدى عقود، حبيسة أبراج عاجية، تدور في فلكها المغلق، بينما تعاني الجماهير العريضة من أمية ثقافية وفقر وجداني وتصحر روحي، لا يقل خطورة ولا تأثيرًا في مسار التنمية الوطنية عن الأمية الأبجدية، وربما كان أشد فتكًا، لأنه يحرم الإنسان من القدرة على الحلم، ويجعله لقمة سائغة لقوى الظلام والتغريب والتطرف.
لهذا، فإننا نقف اليوم في منعطف تاريخي دقيق، منعطف لا يحتمل أنصاف الحلول ولا المهادنات ولا المجاملات الدبلوماسية التي اعتدنا عليها في التعامل مع الشأن الثقافي. إننا نحتاج، بإلحاح لا يقل عن إلحاح حاجتنا إلى الخبز والدواء والتعليم، إلى وزير ثقافة من طراز مختلف تمامًا. وزير ثقافة للدولة المصرية والمصريين جميعًا، لا وزير ثقافة للشلة والنخبة والكتاب الذين يكتبون لبعضهم البعض في صحف ومجلات لا يقرؤها أحد.
إن ما نحتاجه الآن ليس وزيرًا مثقفًا بالمعنى التقليدي الضيق للكلمة. فالمثقفون كثر، والمشبعون بثقافة الصالونات أكثر، والقادرون على الاستشهاد بهيجل وكانط ودريدا في أي سياق لا يحصون. ما نحتاجه هو رجل دولة بالمعنى العميق والاستراتيجي للكلمة، رجل دولة يدرك أن معركة بناء الأمة، واستعادة الروح الوطنية، ومواجهة التفكك والاستلاب، لا تبدأ في المصانع والجامعات والمستشفيات فقط، إنما تشمل أيضًا، وربما في المقام الأول، جبهة الوعي والوجدان.
وهذا بالضبط هو ما كان يدركه أولئك العمالقة الذين مروا على وزارة الثقافة في فتراتها الذهبية، والذين أستحضرهم الآن ليس من باب الحنين المجرد إلى ماض ولى وانقضى، لكن من باب استخلاص الدروس والعبر من تجارب تاريخية كان لها ما بعدها، وما زال صداها يتردد في أروقة الذاكرة الوطنية.
خذوا فتحي رضوان مثلًا. فقد كان سياسيًا وصحفيًا مهنيا ممارسا قبل أن يكون وزيرًا للثقافة، وهذه مسألة لها دلالتها العميقة. كان منغمسًا حتى النخاع في هموم الشعب، قريبًا من نبضه، جزءًا من نسيجه، مؤمنًا إيمانًا راسخًا بأن الثقافة لا تنفصل عن السياسة ولا عن الاقتصاد ولا عن النضال الوطني والقومي. لم ينظر إلى الثقافة نظرة جمالية خالصة، تلك النظرة التي تجرد الفن من سياقه الاجتماعي والتاريخي وتتعامل معه كلعبة شكلية. لكنه نظر إليها كأداة فاعلة من أدوات التحرر الوطني والاجتماعي، وشرط لازم من شروط التقدم والتنمية. كان يوقن بأن الفلاح الذي يقرأ كتابًا هو مواطن أكثر قدرة على فهم حقوقه والدفاع عنها، وأن العامل الذي يشاهد مسرحية أو يستمع إلى موسيقى هو إنسان أكثر اكتمالًا وإنتاجًا وانتماء لوطنه. لم تكن الثقافة عنده ترفًا يضاف إلى حياة الناس بعد أن تتحسن أحوالهم المادية، بل كانت شرطًا لازمًا لتحسين أحوالهم ذاتها.
ثم تأملوا حالة ثروت عكاشة، الذي أظنه، دون مبالغة، النموذج الأكثر اكتمالًا ونضجًا لما ينبغي أن يكون عليه وزير الثقافة في أي زمان ومكان. كان عكاشة ضابطًا في الجيش، وهي مفارقة قد تثير الدهشة للوهلة الأولى. لكنه كان ضابطًا استثنائيًا، جمع في شخصيته بين ما ندر أن يجتمع الانضباط العسكري الصارم والحس الفني الرفيع المرهف، الإيمان بالقوة الصلبة والإدراك الحاد لأهمية القوة الناعمة، الصرامة في التنفيذ والرقة في التذوق.
والأهم من كل ذلك أنه كان رجلًا ذا رؤية استراتيجية متكاملة، جمعت بين حداثة الفكر وأصالة الانتماء. لقد فهم، بعبقرية فذة، أن بناء دار الأوبرا وإرسال البعثات الفنية إلى الخارج وتأسيس فرق الباليه، كل ذلك لا يكفي، بل يصبح بلا معنى حقيقي، إن لم يقترن ببناء قصور الثقافة في القرى والنجوع، وإرسال فرق الفنون الشعبية إلى الريف، وجعل الكتاب والمسرح والسينما والموسيقى في متناول الجميع. كان يبني الهرم الثقافي من قاعدته الشعبية العريضة ومن قمته النخبوية الرفيعة في آن واحد، في حركة جدلية متوازنة تدرك أن القمة بلا قاعدة وهم كبير، وأن القاعدة بلا قمة عجز.
أما عبد القادر حاتم، فعلى الرغم من الجدل الذي يمكن أن يثار حول الفترة التاريخية التي عمل فيها، فإنه يظل نموذجًا للرجل الذي فهم بجلاء أن الثقافة والإعلام وجهان لعملة واحدة، تلك العملة التي اسمها تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام. كان حاتم يدرك خطورة ما يمكن تسميته الغزو الثقافي في زمن بدأت فيه وسائل الاتصال الجماهيري تكتسح العالم وتخترق الحدود وتذيب الفوارق. كان يرى، ببصيرة نافذة، أن الأمة التي لا تحمي ذاكرتها وهويتها ووجدانها لا يمكنها، بأي حال من الأحوال، أن تحمي حدودها الجغرافية وسيادتها السياسية.
ومن هذا المنطلق، جعل من الثقافة مشروعًا قوميًا متكاملًا للدفاع عن الشخصية المصرية، لا مجرد نشاط ترفيهي أو زينة بيروقراطية.
ما يجمع هؤلاء الثلاثة، على اختلاف مناهجهم وتوجهاتهم ومواهبهم، هو ذلك الإيمان الراسخ العميق بأن الثقافة ليست شأنًا خاصًا بفئة قليلة من المختارين، وليست نشاطًا هامشيًا في حياة الأمة، وليست وسيلة للتباهي الاجتماعي والوجاهة الزائفة. إنها، في تصورهم، أساس من أسس بناء الدولة الوطنية الحديثة، وأداة رئيسية من أدوات التنمية الشاملة، وحصن منيع ضد التفكك والاستلاب. كانوا جميعًا وزراء للدولة المصرية والمصريين جميعًا.
لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ كيف تحولنا من ذلك المشروع الحضاري المتكامل إلى هذا الواقع المأزوم؟
الإجابة تكمن، في تقديري، في جملة تحولات بنيوية عميقة عصفت بالمجتمع والدولة معًا، وغيرت ملامح المشهد الثقافي تغييرًا جذريًا. أول هذه التحولات، صعود نجم رجل الأعمال والمستثمر وقيم السوق على حساب المفكر والمثقف العضوي وقيم التنوير، وهو صعود أدى إلى تسليع الثقافة وتحويلها إلى بضاعة تخضع لمنطق الربح والخسارة، لا إلى منطق القيمة والمعنى. وثانيها، انسحاب الدولة التدريجي من دورها كراعي ومخطط، وتقاعسها عن أداء وظيفتها في توزيع الخدمات الثقافية توزيعًا عادلًا، مما ترك الساحة لقوى السوق وحدها، وقوى السوق لا تعرف سوى منطق الربح السريع، ولا تهتم إلا بمن يملك القدرة على الشراء. وثالثها، وهو الأخطر، ترسخ عادة النظرة الفوقية المتعالية إلى الجماهير، باعتبارهم جمهورًا سلبيًا يتلقى ما يقدم إليه، لا باعتبارهم شعبًا له تراثه واحتياجاته وتطلعاته وقدرته على الإبداع والمشاركة.
هذه التحولات مجتمعة أنتجت لنا النموذج السائد لوزير الثقافة ذاك الذي يتعامل مع الوزارة كما لو كانت مكافأة على مجهود أكاديمي أو إبداعي سابق، فيهتم أول ما يهتم بالظهور في المهرجانات الدولية، وإلقاء الخطب الرنانة عن التنوير والحوار والآخر، بينما قصور الثقافة في الأقاليم تنهار حجرًا حجرًا، والمكتبات العامة تقفل أبوابها، والمسرح المدرسي يندثر من الذاكرة، والطفل المصري لا يجد ما يقرؤه، والشاب المصري يغرق في التفاهة والاستلاب. هذا الوزير يحيط نفسه بحاشية من المتملقين، يديرون شبكة مصالح ضيقة، ويوزعون المنح على الأصدقاء والمعارف، في مشهد يثير الغثيان حقًا.
إن ما نحتاجه الآن هو قطيعة كاملة مع هذا النموذج البائس. قطيعة في الفكر والممارسة. نحتاج إلى رجل أو امرأة يجرؤ على أن يعلن، بالفعل لا بالقول، أن الثقافة ضرورة حياتية كالماء والهواء، وأن المعركة القادمة هي معركة الوعي، وأن الانتصار فيها مرهون بالقدرة على الوصول إلى كل مواطن مصري، وتقديم ما يغذي عقله ويرتقي بوجدانه. يجرؤ على أن يواجه النخبة المثقفة بمسئوليتها، ويذكرها بأنها وجدت لخدمة هذا الشعب، لا للانعزال عنه والتعالي عليه.
هذا الوزير ليس بالضرورة كاتبًا لامعًا أو أكاديميًا متخصصًا. المهم أن يكون رجل دولة، صاحب رؤية استراتيجية، قادرًا على رؤية الصورة الكبيرة، مدركًا أن الثقافة خيط ناظم يمر عبر كل الوزارات. وأن يكون منحازًا إلى الناس، مهمومًا بهمومهم، وأن يكون لديه من الشجاعة ما يكفي لمواجهة لوبيات المصالح التي تخنق الثقافة.
أخيرا ، فإن وجود وزير من هذا الطراز مرهون بإرادة سياسية قوية تؤمن بأن الثقافة أولوية وطنية، وأن الإصلاح الثقافي لا يحدث في الفراغ.
ومصر التي أنجبت (رضوان وعكاشة وحاتم ) لم تعقم، والبذرة الصالحة موجودة، تنتظر من يغرسها ويسقيها ويرعاها. لعل الأيام المقبلة تبشرنا بميلاد جديد.
عبد السلام فاروق يكتب: وزير الثقافة القادم..!