في زمن أصبحت فيه المواقف تبرهن على ماتبقى من القيم ، وصارت فيه الأساسيات من الموروث الأخلاقي إعجازا يصفق له ويشار اليه بالبنان فى هذا الزمان تذكرت قصة كان يحكيها لنا أبى رحمه الله خلال اصطفافنا حوله يوم أجازته التى كنا ننتظرها لما تحمله من مظاهر السعادة والفرح . كان يبدأ حكايته بأن يطلب منا أن نصلى على النبى وأن نزيده صلاه ثم يبدأ فى السرد الجميل ويحكى لنا قصة عم حسن التى لم نمل من سماعها رغم تعدد مرات حكيها وسردها بصوت أبى الجميل .
فكان يقول يحكى أن رجلا كان إسمه عم حسن وهذا الرجل كان موظفًا بسيطًا، يعرفه الجميع بابتسامته الهادئة. ويستكمل أبى حكايته وكلنا شغف وترقب فيقول عم حسن لم يكن يملك مالًا كثيرًا، لكنه كان يملك لسانًا طيبًا لا يجرح أحدًا.وينظر إلينا كانّ رصيده كله فى لسانه الطيب الذى حبب فيه خلق الارض وطوبها وحجرها ..
وفي أحد الأيام، دخل شاب جديد إلى العمل، وأخطأ في تنفيذ أول مهمة له على الرغم من كونها كانت بسيطة ، ربما كان السبب ارتباك الموظف الجديد أو عدم خبرته ، أو قلة فهمه ، أيا كانت الأسباب إلا من حوله لم يرحموه ولم تمضِ ساعات حتى بدأ الحديث عنه، وكل واحد يضيف إلى القصة ما يجعلها أكثر إثارة. ولم يشارك عم حسن في هذا الحديث، بل قال: “دعوه يتعلم، فكلنا بدأنا من الصفر.” .. وتمر السنوات، ويصبح ذلك الشاب مديرًا للمؤسسة.
وفي أول اجتماع له، فوجئ الجميع بأنه استدعى عم حسن ليجلس بجواره، وقال أمام الجميع: في أول يوم لي هنا، لم أكن أحتاج من يصحح خطئي فقط، بل كنت أحتاج من يحفظ كرامتي. الجميع تحدث عني، إلا هذا الرجل.”. كلمات المدير نزلت كالصاعقة على الحاضرين و ساد الصمت، ليكمل المدير حواره ويقول وبلهجة أسى أن كلمة واحدة قد تهدم إنسانًا، وأن كلمة أخرى قد تبني مستقبله. ويتقدم بعد هذه الكلمة الى عم حسن ويحتضنه ويؤكد له أنه لم ينس أبدا صمته الذى كان بمثابة طوق نجاة له واشارة مرور من هذه الأزمة مفادها لاتلتفت فقط اعمل وصحح أخطاءك ودعهم يقولون مايقولون
.. وكان ابى يختتم قصته بمقولة : قد لا نتذكر كل ما قلناه، لكن الناس لا تنسى أبدًا كيف جعلتهم كلماتنا يشعرون وكيف تغير الكلمة مسار وبوصلة الكثير من الباحثين عن طريق قويم وغد سليم ، وينظر الينا ابى ضاحكا ويقول ، الحكمة فين بأه ؟ الحكمة بتقول "اختر كلماتك بعناية، فقد تكون سببًا في نجاح إنسان أو انكساره..
رحل أبى وتغيرت الحياة كلها وظلت كلماته حاضرة وظل عم حسن بوصلتى وأصبحت أنا أبحث عن كل عم حسن بكلماته الطيبة وبمفادها المؤثر ، تعثرت ونهضت وكلما مررت بمواقف لاصدقائي أو جيرانى احكى لهم حكاية عم حسن.