باتت المشاهد التي تبثها الشاشات من واشنطن وطهران أشبه بمسلسل مكرر وموجه التصريحات فتارة تصريح ناري من مسؤول أمريكي، يقابله رد إيراني بنبرة التحدي ذاتها، ثم موجة ضربات جديدة، متبادلة ، ثم حديث عن “مذكرة تفاهم” أو هدنة هشة سرعان ما تتصدع. تلك الرتابة الإعلامية التي اعتادها متابعو الأخبار حول العالم، وفقط الذين تلامس حياتهم اليومية نيران هذا الصراع والتي تخفي خلفها واقعاً مختلفاً تماماً تعيشه شعوب الخليج.
فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، وتجددها مره اخري بعد فشل المفاوضات والتي تلتها ضربات أوسع مطلع يوليو الجاري، وجدت دول مثل قطر والكويت والبحرين والسعودية والإمارات نفسها في قلب مواجهة لم تخترها، وذنبها الوحيد أنها تستضيف على أراضيها قواعد عسكرية أمريكية. وحين ترد إيران على الضربات التي تتلقاها، فإن ردّها غالباً ما يجد طريقه إلى هذه القواعد، أو إلى منشآت نفطية وغازية ومدنية خليجية، لا إلى الطرف الذي بدأ الحرب فعلياً.
معادلة ردع غائبة عن أرض المعركة الحقيقية
اللافت في مسار هذه الحرب أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية استهدفت طهران ومدناً إيرانية أخرى منذ يومها الأول، بل طالت – بحسب ما تناقلته وسائل إعلام رسمية إيرانية – قيادات عسكرية وأمنية رفيعة، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين. ومع تجدد القصف في الأيام الأخيرة، تحدثت وزارة الصحة الإيرانية عن سقوط 17 قتيلاً وإصابة 93 آخرين خلال يومين فقط، فيما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها استهدفت نحو 170 موقعاً عسكرياً إيرانياً. ومع ذلك، حين يُطرح السؤال عن الرد الإيراني “المباشر” على واشنطن وتل أبيب، لا نجد عملية نوعية واحدة أصابت حاملة طائرات أمريكية، ولا تفجيراً استهدف مدمرة في مياه مفتوحة، ولا ضربة واضحة المعالم لمنشأة عسكرية أو نفطية داخل إسرائيل نفسها. ويبذر ان الاذرع العسكرية الإيرانية وحلفاؤها الإقليميون، من حزب الله في لبنان إلى الفصائل في العراق والحوثيين في اليمن، بدوا في معظم الأحيان أقرب إلى قوة احتياط تُستخدم لإرسال رسائل محسوبة، لا لتغيير موازين المواجهة مع الطرف الذي يمتلك زمام المبادرة فعلياً.
في المقابل، كانت دول الخليج هي الساحة والمنفس ليعبر فيها الحرس الثوري وحلفاءه عن غضبهم بإرسال صواريخ ومسيّرات استهدفت قواعد ومنشآت في قطر والكويت والبحرين والإمارات والسعودية وعُمان، وأنظمة دفاع جوي من طراز باتريوت في الكويت، ومواقع إنذار مبكر في قطر، وخزانات وقود أمريكية في البحرين. وحين أسقطت قطر طائرتين إيرانيتين من طراز سو-24، كانت أول دولة في هذه الحرب تُسقط طائرة إيرانية – وهو مؤشر إضافي على أن الخليج، لا إسرائيل ولا الأراضي الأمريكية، هو الحلبة الفعلية التي تُدار فيها فصول الرد والرد
ومن المفارقات اللافتة أن حجم الدمار الذي يُفترض أنه لحق بالبنية العسكرية والنووية والاقتصادية الإيرانية، رغم الحديث عن استهداف تسعين موقعاً في جولة واحدة ومحيط منشآت حساسة كمحطة بوشهر النووية وموانئ في محافظة هرمزغان، نادراً ما يترجَم إلى صور أو تقارير ميدانية مفصلة تكشف حجم الأضرار الفعلية على الأرض. أما في المقابل، فإن ما تتعرض له المنشآت والمناطق الخليجية من ضربات يُوثَّق بسرعة وبتفاصيل أوضح، تاركاً انطباعاً بأن فاتورة الدمار المرئي تُقيَّد في حسابات دول لم تكن طرفاً مباشراً في قرار الحرب، بينما تبقى آثار الضربات على الجانب الإيراني محاطة بغموض إعلامي وأمني مقصود.
والواضح ان ايران لم تتحدث عن فاتورتها الاقتصادية جراء تلك الحرب بالرغم من ان نفط متوقف ومضيق مغلق ، بينما الكلفة الأثقل هي علي الجانب الاخر لدول الخليج فهي فاتورة اقتصادية ثقيلة بامتياز. فقد أدى إغلاق إيران المتكرر لحركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية لتجارة الطاقة العالمية، إلى تعطيل صادرات النفط الخليجي ومشتقاته من غاز ومنتجات تكرير وأسمدة ومواد كيميائية، في وقت هدد فيه مسؤولون في الحرس الثوري صراحة بإشعال النار في أي ناقلة تعبر المضيق ، هذا التعطل لا يعني فقط خسائر مباشرة في عائدات النفط، بل يمتد إلى شركات الشحن والتأمين والصناعات المرتبطة بالطاقة، وإلى ثقة المستثمرين في استقرار المنطقة على المدى المتوسط. وحين تُستهدف موانئ ومحطات وخطوط أنابيب بشكل متكرر، فإن الكلفة لا تقتصر على لحظة الانفجار، بل تمتد إلى أشهر من إعادة الإعمار والتأمين المضاعف وتراجع الاستثمارات.
وهكذا يتضح ان ما يجري ليس مجرد “صراع بين طهران وواشنطن” كما تُصوره العناوين المكررة، بل حرب تُدفع فاتورتها الأكبر خارج حدود المتحاربين الرئيسيين. دول الخليج، التي لم تُطلق رصاصة واحدة في قرار هذه الحرب، تجد نفسها ساحة تصفية حسابات وميداناً لاختبار الصبر الاستراتيجي، بينما تتحمل شعوبها الخسائر البشرية والاقتصادية والبيئية بل وتدفع ايضا نظير الحماية الامريكيةً شامله السلاح والمؤونة والعتاد وكذلك صفقات بطاريات الصواريخ باتريوت ، وبين التصريح الأمريكي بتمديد الضربات “لشهر كامل” ورد إيراني يتوعد بـ”الشجاعة والإقدام”، يبقى السؤال الأهم غائباً عن النقاش: من يُعوّض الخليج عن حرب لم يخترها، ولا اتفاق لإنهائها في الأفق القريب، وهل سيظل الخليج يومن ان ضمان حمايته مربوط بالولايات المتحده وهل سيستمر للسماح للقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقه كما كانت وهل تستمر في دفع فاتورة الحماية الأمريكية باهظه التكاليف وكذلك شراء كميات من مضادات الصواريخ والمسيرات دون وضع آفاق لذلك …
وإلى تكملة قادمة