قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالازهر الشريف، إن هناك آيات وعلامات نبَّهنا الله إليها في الكون، وفي الآفاق، وفي الأنفس، وفي التاريخ؛ ليستدل الإنسان بها على ما وراءها، ويستيقظ من غفلته، ويعود إلى ربه.
وأضاف جمعة، فى منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الغجتماعي فيسيوك، أن من هذه العلامات ما يتصل بالإنسان نفسه؛ فهو يُولد صغيرًا لا يعلم شيئًا، ثم يشب ويقوى، ثم يشيخ ويضعف، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾، فإذا خطَّ الشيب الرأس، ووهن العظم، وضعفت القوة، كان ذلك تنبيهًا للإنسان إلى أن يخلع عن نفسه رداء الغفلة والعصيان، وأن يستعد ليوم الرحيل، ويقدِّم في دنياه ما يرضي الله عنه.
واستشهد بقوله تعالى ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
فبلوغ الأربعين علامة من العلامات، ومنبِّه من المنبِّهات التي توقظ العاقل، وتدعوه إلى مراجعة نفسه والرجوع إلى ربه.
ووهن العظم، وخطُّ الشيب في الرأس، والمرض بعد الصحة، كل ذلك من المنبهات التي توقظ القلب والعقل، لعل الإنسان يرتدع ويعود.
ومن الآيات الكونية: الزلازل؛ فقد جعلها الله تعالى من المشاهد التي توقظ الغافلين، وتذكِّر بالزلزال الأكبر يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾.
فالإنسان يقول متعجبًا ومتحيرًا: ﴿مَا لَهَا﴾، ثم يعلم أن الأرض إنما تحركت بأمر ربها.
ومن وجوه الاعتبار بالزلازل أنها تذكِّر الإنسان بأن هذه الدنيا فانية، وأن الحياة قد تنتهي في أية لحظة؛ فإذا استحضر ذلك هانت عليه الدنيا، واستعد للقاء الله.
ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾.
ولكن ماذا بعد بلوغ الأشد؟، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾.
فمن الناس من يُتوفَّى في قوة شبابه، ومنهم من يمتد به العمر حتى يعود إلى الضعف بعد القوة. ثم ينقلنا السياق إلى مشهد الأرض: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.فتذكِّرنا الأرض بعد موتها وإحيائها بالبعث والقيامة، وبأن الله سبحانه ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، وأن الخلق كله أطوار وتحولات.وجعل الله العلامات في السماوات أيضًا، فقال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.وقال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
ثم قال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾.فالقمر يظهر هلالًا، ثم يكتمل بدرًا، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود كالعرجون القديم؛ وفي ذلك علامات على الابتداء، والاكتمال، والانتهاء.
وقد عبَّر أبو البقاء الرندي عن هذا المعنى، وهو يرى الأندلس تنهار بعد مجدها، فقال:لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ .. فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ الْعَيْشِ إِنْسَانُ هِيَ الْأُمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ .. مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءَتْهُ أَزْمَانُ فتلك كلُّها آياتٌ وعلاماتٌ تزيد الإيمان، وتُهوِّن أمر الدنيا، وتنزع التعلُّق بها من القلب، وتدعو الإنسان إلى ترك العصيان والإقبال على طاعة الرحمن.
والعاقل من حاسب نفسه، والتفت إلى العلامات، وعاد إلى ربه قبل أن يأتيه الرحيل.

