قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى أعلى مستوياتها في أربعة أشهر، مدفوعة بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتزايد المخاوف من اضطرابات محتملة في إمدادات الطاقة خلال فصل الشتاء المقبل.
وسجل عقد الغاز الهولندي القياسي ارتفاعا إلى أعلى مستوى له منذ أربعة أشهر، في وقت تجاوزت فيه أسعار النفط لفترة وجيزة حاجز 90 دولارًا للبرميل قبل أن تتراجع عقب إعلان طهران استمرار المحادثات الدبلوماسية، مما خفف جزئيا من مخاوف الأسواق بشأن الإمدادات.
وقالت صحيفة الجارديان البريطانية في تقرير بثته اليوم إن تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران يتزامن مع اقتراب موسم الشتاء الذي يتطلب مخزونات وفيرة من الغاز الطبيعي.
وتضيف ، هذا المشهد يعيد شبح أزمة الطاقة إلى الواجهة في القارة العجوز، مع تصاعد المواجهة في الشرق الأوسط، بما يهدد بإرباك إمدادات الغاز ورفع تكاليف الطاقة مجددا، في وقت تستعد فيه أوروبا لتكوين مخزوناتها الاستراتيجية.
وكانت الأسواق الأوروبية كانت تراهن على استقرار نسبي في إمدادات الطاقة، إلا أن التطورات الأخيرة في مضيق هرمز قلبت تلك التوقعات رأسا على عقب، لتضع صناع القرار في بروكسل والعواصم الأوروبية أمام تحد بالغ الصعوبة: كيف يمكن تأمين احتياجات القارة من الطاقة لملايين الأسر والصناعات، في ظل سوق عالمية شديدة التقلب ومخاطر جيوسياسية متصاعدة؟
وذكرت "الجارديان" أن المؤشر الهولندي المرجعي للغاز الطبيعي، وهو المعيار الأبرز في السوق الأوروبية، سجل ارتفاعًا حادًا تجاوز فيه سقف 60 يورو للميجاواط/ساعة ، ليقترب بذلك من أوقات الذروة التي شهدها في بداية اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية.
وجاء هذا الصعود إثر توسيع واشنطن نطاق عملياتها الجوية، ورد طهران باستهداف مواقع في البحرين والكويت، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة المخاوف من اتساع رقعة الصراع لتشمل الممرات البحرية الحيوية لنقل الطاقة.
وتشير الصحيفة إلى أن تداعيات التصعيد لم تقتصر على أسواق الغاز، بل امتدت إلى سوق النفط، حيث قفز خام برنت متجاوزا مستوى 90 دولارا للبرميل يوم الأحد، ليسجل أعلى مستوياته في نحو شهر، قبل أن يقلص مكاسبه مع تأكيد طهران استمرار القنوات الدبلوماسية مع واشنطن عبر وسطاء دوليين، وهو ما هدأ جزئيا من مخاوف الأسواق بشأن الإمدادات. وبحلول مساء الاثنين، تراجعت أسعار الغاز الأوروبية بشكل طفيف لتستقر عند نحو 57 يورو للميجاواط/ساعة.
وبحسب تحليلٍ صادر عن مؤسسة "آي سي آي إس" (ICIS) المتخصصة في استخبارات السلع، فإن أوروبا تواجه ضغوطا متصاعدة على إمداداتها هذا الشتاء، في ظل تأخر التعافي المتوقع لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطري خلال موسم تخزين الصيف الحرج.
وحذر أندرياس شرودر، رئيس التحليلات في المؤسسة، من أن بداية شتاء بارد من شأنها أن ترفع بشكل كبير من كلفة بلوغ هدف الاتحاد الأوروبي المتمثل في ملء 80% من طاقة التخزين، مضيفا أن استمرار الأسعار عند مستوى 60 يورو للميجاواط/ساعة قد يستدعي تدخلًا حكوميًا مكلفًا لضمان أمن الإمدادات.
واللافت أن مستويات التخزين الأوروبية الحالية لا تتجاوز 54% من طاقتها الاستيعابية، مقارنة بنحو 64% في الفترة ذاتها من العام الماضي، وهو ما يعكس فجوة واضحة تنذر بصعوبات محتملة إذا ما تفاقمت الأزمة.
وقدرت مؤسسة "آي سي آي إس" أن 26 شحنة فقط من الغاز المسال تمكنت من عبور الخليج شرقا منذ اندلاع النزاع في 28 فبراير الماضي، مقارنة بمعدلٍ معتادٍ يتراوح بين 90 و100 شحنة شهريا، الأمر الذي دفع المؤسسة إلى خفض توقعاتها للإمدادات العالمية من الغاز المسال هذا العام من 441 مليون طن إلى 431 مليون طن.
وتشير تقديرات "آي سي آي إس" إلى أن الدول الأوروبية قد تضطر إلى دفع نحو 54 يورو للميجاواط/ساعة هذا الخريف لإعادة ملء مخزوناتها، وقد يرتفع هذا الرقم إلى 60 يورو في حال جاءت بداية الشتاء أكثر برودة من المتوقع. ومع ذلك، أشارت نماذج المؤسسة إلى أن بلوغ أهداف التخزين المحددة يظل ممكنًا بحلول أواخر نوفمبر، وإن كان ذلك بكلفة اقتصادية أعلى من المعتاد.
ويزيد من حدة هذه المخاوف التهديد المتصاعد لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي كان يعبر من خلاله نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية قبل اندلاع النزاع، ما يجعل أي تصعيد جديد في المنطقة عاملا حاسما في تحديد اتجاهات أسواق الطاقة والأسعار العالمية خلال الأشهر المقبلة.
من جانبها، قالت جيس رالستون، رئيسة قسم الطاقة في وحدة استخبارات المناخ والطاقة، إن عودة أسعار الغاز إلى مستويات تقترب من الذروات التي سجلتها مع بداية الحرب الأمريكية الإيرانية تؤكد حقيقة جوهرية، وهي أن السياسات المحلية في المملكة المتحدة لا تملك سوى تأثير محدود على أسعار الغاز التي يتحملها المستهلكون.
وأضافت أن بريطانيا تظل شديدة الارتباط بتقلبات أسواق الطاقة العالمية، وهو واقع فرضته عليها الأزمات الجيوسياسية، وتكرر خلال السنوات الأخيرة مع اندلاع حروب على بعد آلاف الأميال انعكست آثارها مباشرة على فواتير الطاقة البريطانية.
وبين تصاعد التوترات الجيوسياسية وتراجع هوامش الأمان في مخزونات الطاقة، تبدو أوروبا اليوم في سباق مع الزمن لتعزيز احتياطياتها من الغاز قبل حلول الشتاء، خشية أن تتحول أي اضطرابات جديدة في الإمدادات إلى أزمة طاقة جديدة، في وقت لم تتعاف فيه القارة بالكامل من تداعيات الأزمة السابقة.