مع تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الخليج، عاد مضيق هرمز إلى واجهة المشهد العالمي باعتباره أحد أخطر بؤر التهديد لأسواق الطاقة والتجارة الدولية، بعدما شهدت الأيام الأخيرة سلسلة من الانفجارات التي استهدفت ناقلات وسفنا تجارية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من تعطل إمدادات النفط والغاز وارتفاع تكاليف الشحن، في وقت يراقب فيه العالم عن كثب تطورات أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية.

وتزايدت المخاوف بعد تسجيل انفجارات وحرائق في ناقلتي نفط جنوب مضيق هرمز، إلى جانب تراجع ملحوظ في حركة عبور السفن التجارية، مع لجوء العديد من شركات الشحن إلى تأجيل رحلاتها أو تغيير مساراتها تحسبا للمخاطر الأمنية المتصاعدة.
ويعد مضيق هرمز شريانا رئيسيا للطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال القادمة من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية، وهو ما يجعل أي اضطراب في الملاحة البحرية داخله ينعكس سريعا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
انخفاض حركة الملاحة
وأظهرت بيانات ملاحية حديثة انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق مع تصاعد التوترات، حيث فضلت شركات النقل البحري الانتظار خارج المنطقة أو تقليل عدد الرحلات، وسط استمرار المخاوف من تعرض السفن التجارية للاستهداف، وهو ما يهدد بإطالة أمد الأزمة إذا استمرت العمليات العسكرية في المنطقة.
كما رصدت تقارير ملاحية تعرض عدد من ناقلات النفط وسفن الشحن للاستهداف خلال الأسابيع الماضية، وهو ما زاد من حالة القلق داخل قطاع النقل البحري العالمي، ودفع شركات التأمين إلى مراجعة تقييمات المخاطر الخاصة بالمرور عبر المضيق.
وفي السياق نفسه، استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز قد يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف الشحن البحري والتأمين، بما ينعكس على أسعار السلع الأساسية عالميا، خاصة مع اعتماد العديد من الدول الصناعية والآسيوية على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.
كما قد تدفع الأزمة بعض الدول المستوردة للطاقة إلى البحث عن مسارات بديلة أو زيادة الاعتماد على المخزونات الاستراتيجية، إلا أن هذه الخيارات تظل محدودة في ظل الأهمية الجغرافية للمضيق.
هل يمتد التأثير إلى البحر الأحمر؟
ولا تقتصر المخاوف على مضيق هرمز فقط، إذ يحذر محللون من أن أي تصعيد قد يمتد إلى ممرات بحرية أخرى، وفي مقدمتها البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما قد يضاعف الضغوط على حركة التجارة العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع أكبر في تكاليف النقل وأسعار الطاقة إذا تعرض الممران معًا لاضطرابات متزامنة.
وفي هذا الصدد، يقول الدكتور عبداللة نعمة، المحلل السياسي اللبناني، إن ما يجري في مضيق هرمز لم يعد مجرد حادث أمني عابر، بل أصبح جزءا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه التطورات العسكرية في إيران مع التوترات المستمرة على الساحة اللبنانية، ما يجعل أي تصعيد في الخليج يحمل تداعيات تتجاوز حدود المنطقة لتطال الاقتصاد العالمي بأكمله.
وأضاف نعمة- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن استهداف السفن التجارية وناقلات النفط لا يمكن فصله عن حالة التصعيد الإقليمي، إذ تسعى الأطراف المنخرطة في الصراع إلى توجيه رسائل سياسية وعسكرية عبر الضغط على الممرات البحرية الاستراتيجية، وهو ما يؤدي إلى إرباك حركة الملاحة الدولية، ورفع تكاليف التأمين والشحن، ودفع الأسواق العالمية إلى التفاعل سريعا من خلال ارتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة الضغوط التضخمية.
وأشار نعمة، إلى أن أهمية مضيق هرمز لا تكمن فقط في كميات النفط التي تعبره يوميا، بل في كونه حلقة الوصل الرئيسية بين منتجي الطاقة في الخليج والأسواق العالمية، لذلك فإن أي اضطراب في الملاحة، حتى لو كان مؤقتا، ينعكس فورا على سلاسل الإمداد وقرارات شركات النقل والتجارة والاستثمار، ويزيد من حالة القلق في الأسواق الدولية.
وتابع: "استمرار التوتر بين إيران وإسرائيل، مع بقاء الجبهة اللبنانية عرضة للتصعيد، يرفع من احتمالات اتساع رقعة الأزمة الإقليمية".
والجدير بالذكر، أن في ظل هذه التطورات، يبقى مضيق هرمز نقطة ارتكاز رئيسية في معادلة الأمن والطاقة العالمية، إذ إن أي تهديد لحركة الملاحة داخله لا يقتصر أثره على دول المنطقة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، ويعيد إلى الأذهان أزمات الطاقة التي شهدها العالم خلال العقود الماضية، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لخفض التصعيد وضمان أمن الممرات البحرية الحيوية.




