استهل الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مؤتمره الصحفي الأسبوعي عقب اجتماع الحكومة، بالتأكيد على أن الرأي العام كان ينتظر معرفة تفاصيل ما جرى في ميناء دمياط، موضحًا أن الحكومة حرصت على شرح جميع الإجراءات التي اتخذتها الدولة منذ اللحظة الأولى للتعامل مع الحادث.
وقال مدبولي إن ما حدث تم التعامل معه باعتباره "أزمة من الدرجة الأولى"، مشيرًا إلى أن أجهزة الدولة تحركت فور الإعلان عن الحادث، بينما لم تكن كثير من تفاصيل إدارة الأزمة معروفة للرأي العام، رغم تداول معلومات عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح رئيس الوزراء أن الحكومة تلقت، في نحو الساعة الثانية ظهر أمس، إخطارًا من وزير البترول بوقوع حادث يتعلق بسفينتين بميناء دمياط، لافتًا إلى أن السفينتين تمثلان جزءًا من منظومة الدولة لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
وأضاف أن إحدى السفينتين عبارة عن سفينة تخزين، تحتفظ الدولة من خلالها بشحنات الغاز لاستخدامها عند الحاجة، كما يمكن نقل الغاز منها إلى ميناء السخنة لضخه في الشبكة القومية، وذلك بدلًا من بقاء الشحنات في المياه الإقليمية خارج الميناء.
وأشار إلى أن السفينة الأخرى هي سفينة التغويز، موضحًا أنها تمثل "مصنعًا متكاملًا" لتحويل الغاز الطبيعي المسال إلى غاز صالح للضخ في الشبكة، مؤكدًا أنها من المنشآت شديدة الخطورة، لأن الغاز الموجود بها يكون تحت ضغط مرتفع، وأي حادث بها إذا لم تتم السيطرة عليه سريعًا قد يؤدي إلى تداعيات كارثية لا تقتصر على السفينة، وإنما تمتد إلى الميناء والمنطقة المحيطة به.
وأكد مدبولي أن الهجوم بالطائرة المسيرة لم يؤثر على سفينة التخزين، التي ظلت سليمة بالكامل، بينما تركزت الأضرار في سفينة التغويز، وهي الأخطر من الناحية الفنية.
وأوضح أنه بمجرد اندلاع الحريق أُبلغ وزير البترول، ثم جرى التواصل فورًا مع جميع الجهات المعنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة ووزارة الداخلية والمخابرات العامة وهيئة الاستخبارات الحربية، إلى جانب الوزراء المختصين، لبدء إدارة الأزمة.
وأشار إلى أن الأولوية الأولى للدولة كانت السيطرة على الحريق ومنع خروجه عن السيطرة، حيث جرى تشكيل مجموعة عمل برئاسة الوزراء المعنيين، وبدأت فرق العمل التعامل مع الموقف ميدانيًا، وتم أولًا فصل خطوط الربط بين السفينتين عبر شبكة المواسير، ثم عزل السفينة المتضررة عن المنظومة الأرضية.
وأضاف أن التعامل مع سفينة التخزين تم بسرعة وانتهى بصورة فورية، حيث جرى إبعادها بالكامل عن الرصيف وعن السفينة الأخرى، بينما بدأت الإجراءات الخاصة بسفينة التغويز، التي كانت لا تزال مشتعلة وبداخلها كميات كبيرة من الغاز، بعد إخلاء طاقمها.
وأوضح رئيس الوزراء أن أربع قاطرات بحرية مصرية قامت بسحب سفينة التغويز إلى داخل المياه لمسافة تقارب ثلاثة كيلومترات بعيدًا عن الرصيف، كإجراء احترازي لتقليل أي تداعيات محتملة إذا خرجت الأمور عن السيطرة، مؤكدًا أن حركة الملاحة داخل ميناء دمياط استمرت بصورة طبيعية، حيث دخلت وغادرت السفن الميناء بشكل منتظم، واستمرت حركة تداول البضائع والمواد الغذائية دون توقف.
ووجه مدبولي الشكر للأطقم المصرية التي أدارت الأزمة، مؤكدًا أنها تعاملت مع موقف شديد الخطورة، ونجحت في تنفيذ عمليات سحب السفينة ثم البدء في أعمال الإطفاء باستخدام كميات كبيرة من المياه، رغم أن مصدر الاشتعال كان الغاز الموجود داخل المواسير والخزانات، وهو ما جعل عمليات الإطفاء بالغة الصعوبة.
واستكمل الدكتور مصطفى مدبولي شرح تفاصيل إدارة الدولة للأزمة، موضحًا أنه بالتنسيق مع القوات المسلحة ووزارة الداخلية جرى تطوير أسلوب التعامل مع الحريق، بحيث لا يقتصر على وسائل الإطفاء التقليدية، وإنما يتم دمجه مع وسائل أخرى، من بينها المواد الكيميائية، إلى جانب الاستعانة بالطائرات المسيرة لتحديد مصادر الاشتعال بدقة.
وأوضح أن فرق الإطفاء كانت تتمكن من إخماد النيران، لكنها كانت تعاود الاشتعال مرة أخرى، وهو ما أكد استمرار وجود مصدر للاشتعال، الأمر الذي استدعى استخدام الطائرات المسيرة لتصوير موقع الحريق، خاصة مع حلول الليل، لتحديد أماكن اللهب ومصدره بدقة، بما يسمح بالتعامل معه باستخدام المواد الكيميائية وغيرها من وسائل المعالجة.
وأشار رئيس الوزراء إلى أنه بحلول الساعة السادسة صباحًا تقريبًا، تمكنت أجهزة الدولة من إنهاء التعامل مع الحريق، وانتهى التهديد الذي كان يتمثل في احتمالية وقوع انفجار كبير قد تترتب عليه تداعيات خطيرة.
ووجه مدبولي الشكر لجميع الأطقم التي شاركت في إدارة الأزمة، مؤكدًا أنها واصلت العمل لأكثر من 14 ساعة متواصلة، وأن أي تأخير في التعامل مع الحادث كان من الممكن أن يؤدي إلى كارثة حقيقية تطال السفن الموجودة بالميناء والمنشآت الحيوية المحيطة به.
وأكد أن إدارة الأزمة تمت بصورة موحدة، حيث كانت جميع أجهزة الدولة تعمل في وقت واحد ومن خلال غرفة إدارة واحدة، موضحًا أن وزير النقل ووزير البترول توجها فورًا إلى دمياط لمتابعة الموقف ميدانيًا، بينما جرى التنسيق المستمر مع القوات المسلحة ووزارة الداخلية والمخابرات العامة وهيئة الاستخبارات العسكرية للتعامل مع الجوانب الأمنية والجنائية للحادث، بالتوازي مع جهود مكافحة الحريق.
وأضاف أن الحكومة تحركت في الوقت نفسه على محور لوجستي لتأمين استقرار منظومة الطاقة، بالتنسيق بين وزارتي البترول والكهرباء، موضحًا أن منظومة الغاز في مصر تعتمد على الإنتاج المحلي، وسفن التغويز، والغاز الوارد عبر خطوط الأنابيب، وأن سفينة التغويز المتضررة تمثل عنصرًا مهمًا داخل المنظومة، لكن الدولة كانت قد أعدت مسبقًا منظومة للطوارئ وبدائل متعددة لمواجهة مثل هذه الظروف.
وأوضح رئيس الوزراء أنه جرى تشغيل البدائل المتاحة فورًا، بما يضمن استمرار تشغيل منظومة الكهرباء والطاقة بصورة طبيعية، مؤكدًا أن الحادث لم يؤثر على استدامة إمدادات الطاقة، وأن الدولة المصرية تمتلك بدائل كافية، رغم الارتفاعات غير المسبوقة في درجات الحرارة وزيادة معدلات الاستهلاك.
وأشار إلى أن المحور الثالث في إدارة الأزمة تمثل في توفير الاحتياجات اللوجستية والمالية اللازمة لإصلاح سفينة التغويز، بالتنسيق بين وزارتي البترول والكهرباء، إلى جانب وزارة المالية والبنك المركزي، مؤكدًا أن منظومة إدارة الأزمة نجحت في احتواء الموقف ومنع تطوره، وهو ما وصفه بأنه فضل من الله قبل أي شيء.
وأضاف أن أعمال إصلاح السفينة بدأت بالفعل لتقدير الفترة الزمنية اللازمة لإعادتها إلى الخدمة، لافتًا إلى أن الدولة تمتلك سفينة تغويز أخرى متعاقدًا عليها مع الجانب الأردني بميناء العقبة، وتُستخدم في حالات الطوارئ، وقد تم التواصل مع وزير الطاقة الأردني لبدء تشغيلها وإدخالها ضمن منظومة تأمين احتياجات الدولة من الطاقة.
وأكد مدبولي أن اهتمام الدولة خلال الساعات الأولى انصب بالكامل على السيطرة على الحريق ومنع وقوع كارثة تهدد ميناء دمياط والبنية التحتية والمنشآت الحيوية الموجودة به، وهو ما يفسر عدم إعلان التفاصيل للرأي العام في ذلك التوقيت.
وأوضح أن الأجهزة الأمنية كانت تعمل بالتوازي على تحديد السبب الدقيق للحادث، وبعد الانتهاء من أعمال الفحص الأولية تم رصد آثار الطائرة المسيرة التي تسببت في الحادث، وما زالت الجهات المختصة تواصل تحليل جميع الأدلة لتحديد مصدرها والجهة التي تقف وراءها.
وشدد رئيس الوزراء على أن الدولة لا تعتمد على الشائعات أو التكهنات، وإنما تتعامل فقط مع الحقائق التي تثبتها التحقيقات، مؤكدًا أن الأجهزة الأمنية تواصل دراسة جميع الملابسات تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات المناسبة وتحديد رد فعل الدولة خلال الفترة المقبلة.
واختتم مدبولي حديثه بالتأكيد على أن الدولة المصرية نجحت في احتواء الأزمة، وأن منظومة الطاقة لم تتأثر، مطمئنًا المواطنين بأن الدولة تمتلك البدائل الكافية التي تضمن استمرار الإمدادات وعدم تأثر هذا القطاع الحيوي بما جرى.



