هل الانهيار يوجد من يستطيع أن يعيشه ؟ وهل من ينهارون يعدون أصحاب رفاهية ؟ بهذا التساؤل انتهيت من قراءة مؤلف يحمل عنوان " رفاهية الانهيار " .
المؤلف طبيب نفسى ومعالج روحى جمع بعضا مما أطلق عليهم " حالات أرهقتنى" وبسرد حروفه كلها وجع وألم افتتح مؤلفه بقصة واحدة ممن ترددت على عيادته فترات طويلة تحكى له معاناتها وآلامها من فقد إبنها البكر والذى كانت ترسم معه آمال وأحلام وتنتظر وتتلمس معه حياة أخرى مليئة بالسعادة كما وعدها بأنه سيعوضها عما عانته وعما عاشته ، كان دوما يأخذها من حالة اليأس إلى التفاؤل ، من الخوف إلى الطمأنينة، من الضياع الى الرسوخ ، من العدم الى الوجود .. ولم يحدث ما وعدها به وتركها ومات فى حادث استبقه بحديث تليفونى معها يؤكد لها فيه أنه أفتقدها كثيرا على الرغم من غيابه الذى لم يتخط اليومين لمشاركته فى مسابقة مدرسية للمتفوقين أمثاله ، وتلقت خبر وفاته ولكنها لم تنهار لأن وراءها آخرين لا يستطيعون العيش من دونها . تقول لطبيبها كنت أخفى أحزاني حتى أهب السعادة لمن حولي فهم لازالوا صغارا وإن تركتهم وتركت الحياة فكيف سيعيشون ، وهكذا صرت وما زلت أنهار من الداخل وأظهر أمام الكل قوية ثابتة المواقف والأفعال .
ومن هذه الحالة الى حالة أخرى رجل فى الخمسينات من عمره يتحدث عن حياته الماجنة وذنوبه التى لاتعد وربما لا تغتفر والذنب الأعظم الذى يعيشه كان تخليه عمن دعمته ووقفت بجانبه حتى صار ما هو عليه شهاب من شهب المجتمع ومن أغنيائه أيضا ، يقول فى مرحلتى الجديدة كنت على يقين أن دورها انتهى ووجودها سيجعلنى دوما متذكرا لماضى خلعته عنى واستبدلته بحاضر أنيق مثل أناقة ملابسى ومظهرى وسيارتًى ووضعى الاجتماعى والوظيفى الجديد ، رميتها رميا وتخليت عن كل مايربطنى بها ولم أندم وعشت الحياة الجديدة بنهم وحب وشغف ، تعاملت معها كما لو كانت قد ماتت بالفعل ، وضعتها فى خانة المنبوذين ، فتحت ذراعاى وقلبى وحسابي البنكى لكل الملذات والحيوات ولم أنظر وراء ظهرى أبدا ، وعلمت بعد فترة بمرضها ولم أهتم وفى يوم من الايام جاء ابنى باكيا لوفاة امه وذهابه لدفنها ، ساعتها لم أعرف ماذا أفعل ؟ وهل ماتت وهى ناقمة ، أم أنها سلمت بالأمر الواقع وارتضت بكونها كانت مرحلة من حياتى وانتهت . قاومت الانهيار ليس لكونى لا أملكه ولكنى أردت أن أعيش به وله.
ومن بين ما سرده الطبيب المعالج والأديب المتمكن من مفرداته كانت حكايات واعترافات لفتيات وأولاد ذاقوا الأمرين من أبويهم ومن سوء المعاملة ومع ذلك لا يريدون ان يصلوا لمرحلة الانهيار لان لديهم شعور يطغى عليهم بالانتقام بكافة الطرق ممن أوصلهم لهذه المراحل . حكايات أخرى عن عمال ومهاجرين من الريف الى المدينة عاشوا مع أناس استنزفوهم وقتلوا كل ما فيهم من مشاعرهم ولأن انهيارهم يعنى فناء من يعولوهم كان القرار بمقاومة الانهيار لأنه يمثل رفاهية لا يملكونها . حالات أخرى عن قادمين من دول أخرى حاملين معهم مطالب وأمانى لذويهم فى الوطن البعيد ، هؤلاء القادمين تعرضوا للتنمر والابتزاز وذاقوا المر ومع ذلك لم يكن متاحا لهم أن ينهاروا لأن الانهيار رفاهية لا يحق لهم التمتع بها ..وتنتهى الصفحات وفيها الكثير من المعاناة وكلها لا تتمتع برفاهية الانهيار وحتى المؤلف نفسه أنهاها بقوله " كنت أنهار عند سماع هذه الاعترافات والمعاناة التى عاشها أصحابها ولكنى لا أملك رفاهية الانهيار لأنني ملزما بمواصلة عملى وربما حياتى التى كانت بالفعل منهارة ولكنى كنت أحيا من أجل هؤلاء الأشخاص الرافضين للانهيار لأنهم لا يملكون هذه الرفاهية ".