كشف الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر، عن علاقة الإنسان بالأرض، منوها أن العلاقة في المنظور الإسلامي بين الإنسان والأرض ليست علاقة انتفاعٍ مادي فحسب، بل هي أعمق من ذلك.
وأوضح علي جمعة، في منشور على فيس بوك، أن العلاقة بين الإنسان والأرض تقوم على ثلاثة مستويات: الانتفاع بالتسخير، وهو ما يتعلق بالجسد، والتفكر والاعتبار، وهو ما يتعلق بالعقل، والمحبة والألفة، وهو ما يتعلق بالروح.
واستشهد علي جمعة، بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: 17-20].
وأشار إلى إن الإنسان من الأرض خُلق، ومن خيرها يأكل ويشرب، وفيها يعيش، وفي أحضانها يُدفن، قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55].
علاقة الإنسان بالأرض
وذكر أنه من هنا ينشأ في الإنسان ولاءٌ للأرض وحنينٌ إليها، يشبه حنين الابن إلى أمه؛ فالإنسان يتعلق بأرضه التي نشأ فيها وتربى عليها، ويشتاق إلى وطنه، ويجد فيه من الألفة والطمأنينة ما لا يجده في غيره.
ولم يقف القرآن عند مجرد الانتفاع بالأرض، بل صوَّر علاقةً من الألفة والتفاعل بين الإنسان والكون، فقال سبحانه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: 29].
وقد رُوي عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما أن المؤمن إذا مات فقده موضع صلاته في الأرض، وفقده الباب الذي كان يصعد منه عمله إلى السماء؛ فيبكي عليه.
وتابع: وهذا يعلِّمنا أن الإنسان لا يعيش منفصلًا عن الكون من حوله، وإنما يترك فيه أثرًا، ويتفاعل معه، وأفضل إطارٍ لفهم علاقة الإنسان بالأرض وبالكون كله هو الرحمة والرفق، فقد قال الله تعالى في وصف سيدنا رسول الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
فكان رسول الله رحمةً بالخلق أجمعين؛ بالإنسان والحيوان والنبات والجماد، وعلَّمنا أن علاقتنا بما حولنا ينبغي أن تقوم على الرحمة لا الإفساد، وعلى التعمير لا التدمير.
وقال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» وهذه الرحمة لا تقتصر على الإنسان وحده، بل تمتد إلى سائر المخلوقات؛ فيكون المسلم رفيقًا بالحيوان، محافظًا على النبات، رحيمًا بما حوله، بعيدًا عن الاعتداء والإفساد، وقد قال رسول الله: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».
وأضاف أن الرفق ليس خلقًا عارضًا، بل منهجٌ في الحياة، والرحمة ليست علاقةً بالإنسان وحده، وإنما هي طريقة المسلم في التعامل مع الإنسان والأرض والكون كله، ومن هنا تصبح علاقتنا بالأرض علاقةً تجمع بين الانتفاع بها، والتفكر فيها، ومحبتها، ورحمتها، وعمارتها.

