في أجواءٍ غمرتها مشاعر الفخر والفرحة والوفاء، احتفلت كلية العلوم (بنين) بجامعة الأزهر بالقاهرة بتخريج الدفعة السادسة والخمسين من أبنائها، في يومٍ امتزجت فيه فرحة النجاح بوفاء الكلية لعلمائها وروادها، وتجدد فيه العهد بأن تظل كلية العلوم منارةً للعلم والبحث العلمي، وقاطرةً للتنمية، ومصنعًا للعقول القادرة على خدمة الأزهر الشريف والوطن.
وحملت الدفعة اسم الدكتور محمد يوسف حسن، ثاني عميد لكلية العلوم خلال الفترة من 1976 إلى 1977م؛ تقديرًا لمسيرته العلمية والأكاديمية، ووفاءً لأحد الرواد الذين أسهموا في بناء هذا الصرح العلمي العريق، وتأكيدًا على أن المؤسسات الكبيرة لا تنسى مَن أسسوا وبنوا، وأن مسيرة الكلية تتواصل بين جيلٍ يؤسس، وجيلٍ يبني، وجيلٍ يحمل الراية ليكمل الطريق.
وجاء الاحتفال بحضور قيادات جامعة الأزهر والكلية، والعمداء والوكلاء ورؤساء الأقسام وأعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة، إلى جانب أسر وأولياء أمور الخريجين، الذين شاركوا أبناءهم لحظات الحصاد بعد سنوات من الجد والاجتهاد.
يوم التخرج لا يمثل نهاية سنوات الدراسة
وخلال كلمته، رحب الدكتور أحمد صوفي، عميد كلية العلوم بقيادات الجامعة والضيوف وأعضاء هيئة التدريس وأولياء الأمور والخريجين، مؤكدًا أن يوم التخرج لا يمثل نهاية سنوات الدراسة فحسب، وإنما يمثل انطلاق جيل جديد من العلماء الذين أعدهم الأزهر الشريف ليحملوا العلم والأخلاق معًا، وليدركوا أن الشهادة ليست امتيازًا فقط، وإنما أمانة ومسؤولية وبداية طريق جديد.
كما وجّه التهنئة إلى الدكتور محمود صديق، رئيس جامعة الأزهر، متمنيًا لفضيلته التوفيق والسداد في قيادة الجامعة نحو مرحلة جديدة من التطوير والتميز، يكون عنوانها: «تطوير يحفظ الأصالة… وحداثة لا تفقد الهوية… وعلم يقرأ المستقبل ويستعد له».
وأكد عميد الكلية اعتزازه بالانتماء إلى الأزهر الشريف وكلية العلوم، قائلًا:
«أزهريٌّ وأفتخر… وأعتز بانتمائي إلى كلية العلوم… وأتشرف بأن أكون خادمًا لعلمائها وطلابها»، مشددًا على أن خريج علوم الأزهر لا يحمل العلم وحده، وإنما يحمل معه قيم الأزهر وأخلاقه ووسطيته، ليكون سفيرًا مشرفًا للأزهر في كل مكان.
وتضمنت الكلمة توجيه خالص التقدير إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، لما يوليه من اهتمام بالعلم والتعليم والبحث العلمي ومسيرة التنمية وبناء الإنسان، وكذلك توجيه أسمى آيات الشكر والتقدير إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، على دعمه المتواصل لرسالة العلم ورعايته لأبناء الأزهر وعلمائه والحفاظ على رسالة الأزهر الوسطية وهويته العلمية والحضارية.
وشهدت الكلمة استعراضًا لرؤية الكلية نحو المستقبل، حيث أكد عميد الكلية أن «كلية العلوم لا تعيش على تاريخها… بل تبني فوق هذا التاريخ مستقبلًا جديدًا»، مشيرًا إلى جهود تطوير البرامج التعليمية والمعامل وربط الدراسة باحتياجات سوق العمل، واستحداث مجموعة من البرامج المتميزة التي تستجيب للتخصصات الحديثة ومتطلبات التنمية.
كما أكد أن الكلية تعمل على ترجمة شعار «العلوم الأساسية قاطرة للتنمية» إلى واقع ملموس، من خلال ربط البحث العلمي بقضايا الدولة والمشروعات القومية ورؤية مصر 2030، والتوسع في مجالات المستقبل، وفي مقدمتها الحوسبة الذكية، وعلوم الفضاء والملاحة، والعلوم البيئية والاستدامة، والفيزياء النووية والمفاعلات، والتكنولوجيا الحيوية وغيرها من التخصصات التي ترتبط بوظائف المستقبل واحتياجات المجتمع.
واستعرض عميد الكلية جانبًا من المكانة العلمية المتميزة لعلماء الكلية، مشيرًا إلى حصول العديد منهم على جوائز الدولة، ووجود ثلاثة من علمائها من الحاصلين على درجة DSc، فضلًا عن سبق إدراج 20 عالمًا من علماء كلية العلوم (بنين) بالقاهرة ضمن قائمة ستانفورد لأفضل 2% من علماء العالم، من بين 43 عالمًا من جامعة الأزهر.
ووجّه عميد الكلية تحية تقدير ووفاء إلى أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة، وإلى أساتذة الكلية وروادها من الأجيال السابقة، مؤكدًا أن ما تحققه الكلية اليوم هو ثمرة ما غرسه هؤلاء العلماء من قيم العلم والإخلاص والانتماء، قائلًا: «أنتم زرعتم… ونحن نحصد، وأنتم أسستم… ونحن نبني».
وكان لأولياء الأمور نصيب خاص من مشاعر الوفاء خلال الاحتفال؛ إذ أكد عميد الكلية أن شهادة كل خريج، وإن كانت تحمل اسمه، فإن وراء كل اسم قصة أسرة كاملة؛ أبٌ تحمّل، وأمٌّ سهرت ودعت، وأسرةٌ آمنت بابنها حتى وصل إلى منصة التخرج، مؤكدًا لهم: «هذه فرحتكم قبل أن تكون فرحتهم… أنتم شركاء هذا النجاح، وأنتم من زرع، وها هو الحصاد اليوم أمام أعينكم».
وفي رسالة مباشرة إلى الخريجين، أكد عميد الكلية أن التخرج ليس نهاية الطريق وإنما بدايته، وأن السؤال بعد التخرج لم يعد: «ماذا درست؟» وإنما: «ماذا ستصنع بما درست؟»، داعيًا أبناء الكلية إلى التعلم المستمر، ومواكبة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والاستعداد للمنافسة، وتحويل العلم إلى ابتكار وقيمة اقتصادية ومجتمعية.
ووجّه إليهم خمس رسائل أساسية: ألا يفقدوا فضولهم العلمي، وأن يجعلوا أخلاقهم تسبق أسماءهم، وألا يجعلوا الوظيفة أقصى طموحهم، وألا ينسوا وطنهم مصر، وأن يظل ارتباطهم بكليتهم قائمًا مهما امتدت بهم مسارات الحياة، مؤكدًا بعبارة لاقت معنى خاصًا في المناسبة:
«قد تتخرجون اليوم من كلية العلوم… لكن كلية العلوم لن تتخرج منكم».
كما دعا الخريجين إلى أن يكونوا سفراء حقيقيين للأزهر الشريف وعلماء المستقبل، وأن يعرف العالم الأزهر من خلال علمهم وأمانتهم وأخلاقهم واحترامهم للآخر، وأن يسهموا بعقولهم في مجالات الطاقة والصناعة والذكاء الاصطناعي والفضاء والصحة والغذاء والبيئة والتكنولوجيا الحيوية، مؤكدًا أن أبناء كلية العلوم جزء أصيل من معركة التنمية وصناعة مستقبل مصر.








