أكد الدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية السابق، أن الخلاف الفقهي عبر العصور لم يكن عبئًا على الأمة، بل مثّل مصدرًا للثراء العلمي وسعة الفهم، موضحًا أن هذا التنوع في الاجتهادات يعكس مرونة الشريعة وقدرتها على التعامل مع مختلف الوقائع والأزمنة.
شوقي علام: عصر الصحابة يقدم منهجًا متكاملًا في كيفية استنباط الأحكام
وأشار الدكتور شوقي علام خلال تصريحات تلفزيونية اليوم، الجمعة، إلى أن النماذج التاريخية لاختلاف العلماء، بدءًا من عصر الصحابة رضي الله عنهم، تقدم منهجًا متكاملًا في كيفية استنباط الأحكام، وتؤكد أهمية إعمال العقل في فهم النصوص الشرعية وربطها بالواقع، لافتًا إلى أن هذا المسار العلمي أسهم في تكوين عقول فقهية قادرة على الاجتهاد والتجديد.
وأوضح الدكتور شوقي علام أن هذا الخلاف أفرز موسوعات فقهية كبرى تمثل ثروة علمية ضخمة، مثل كتاب «الحاوي» للماوردي، و«الذخيرة» للقرافي، و«المغني» لابن قدامة، و«بدائع الصنائع» للكاساني، وهي أعمال عكست عمق البحث الفقهي ودقته في عرض الأقوال ومناقشتها بأسلوب علمي رصين.
وأضاف الدكتور شوقي علام أن التساؤلات حول ما إذا كان الخلاف الفقهي يؤدي إلى الفرقة أو يحقق التنوع تظل قائمة، إلا أن الواقع يؤكد أنه يمثل سعة ورحمة، حيث يتيح تعدد الآراء مساحة أوسع للاختيار بما يناسب اختلاف الأحوال والظروف.
وبيّن أن الدعوة إلى إلغاء هذا الخلاف والبدء من جديد بفهم موحد للنصوص الشرعية أمر غير واقعي، لأن طبيعة النصوص التي تحتمل أكثر من معنى، إلى جانب اختلاف البيئات والاجتهادات، ستؤدي حتمًا إلى تجدد الخلاف مرة أخرى، خاصة في المسائل التي تقبل تعدد التفسيرات.
ولفت الدكتور شوقي علام إلى أن قضايا مثل معنى «القروء» أو دلالة بعض الحروف في النصوص القرآنية تظل بطبيعتها قابلة للاجتهاد، ولا يمكن حسمها بشكل نهائي يجمع عليه الجميع، وهو ما يؤكد أن الاختلاف في هذه المساحات أمر حتمي وليس طارئًا.
وأكد الدكتور شوقي علام أن هذا التنوع الفقهي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مصدر انقسام، بل باعتباره دليلاً على حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على الاستمرار، مشددًا على أن الخلاف المنضبط يمثل نعمة ورحمة، ويعكس ثراءً علميًا يخدم واقع الناس ويواكب تطورات الحياة.

