تُثار أسئلة كثيرة حول الانسحاب الأمريكي من العراق، الذي أعلنت الولايات المتحدة بموجبه إتمام انسحابها هي وشركاؤها في التحالف الدولي من العراق، وإنهاء عملية «العزم الصلب»، في ختام المهمة العسكرية لهزيمة تنظيم «داعش» الإرهابي.
والحقيقة أن الانسحاب الأمريكي من العراق يحمل أكثر من دلالة، ويطرح أكثر من سؤال، وبادئ ذي بدء؛ فإنه يمثل نموذجًا لهزيمة الاستعمار الأمريكي الجديد لدول المنطقة، سواء كانت عربية أو إسلامية. فالولايات المتحدة، وبعد أن خسرت كل شيء في أفغانستان، ونحو 4500 جندي باعتراف ترامب، خرجت مذعورة من كابول، لكنها تركت أطلال دولة بعد عقود من تمزيقها.
وتكررت المأساة في العراق؛ فالتحالف الذي نزل لمحاربة صدام حسين وإسقاط بغداد واحتلالها عام 2003، ها هو اليوم يعلن انسحابه بعدما جعل من العراق فريسة لتنظيم الدولة «داعش» الإرهابي، وليس مستبعدًا أن يعود من جديد، وبعدما ترك بغداد مشاعًا لنفوذ كتائب وميليشيات إيرانية ترفع علم طهران في قلب بغداد، وليس مستبعدًا أيضًا أن تتناحر وتتقاتل بعد إتمام انسحاب واشنطن من العراق.
لقد كانت الديمقراطية الأمريكية، بحسب هذا الطرح، مزيفة، وكان الوجود الأمريكي استعمارًا من نوع بشع دمر العراق ومفاصل الدولة، وليس خافيًا أو سرًا أن العراق في عهد صدام حسين تجرأ على إسرائيل وضربها بعدة صواريخ «سكود» في تسعينيات القرن الماضي، وكان وقتها، وبعد حرب السنوات الثماني مع إيران، أحد أقوى الجيوش في العالم.
انسحاب واشنطن من العراق، وليتها لا تعود، هو انسحاب على جثة العراق والعراقيين الذين ذاقوا الأمرين؛ تفجيرات واغتيالات وانهيارات، في بلد نفطي غني يحتل المرتبة الثالثة عالميًا في احتياطيات النفط بعد السعودية وإيران.
إن المخاوف المثارة اليوم بشأن ما سيأتي بعد خروج الأمريكيين من العراق هي مخاوف مشروعة تمامًا، ولا تعني الرغبة في الإبقاء على قوات واشنطن وقواعدها، ولكنها تقرأ حقيقة على الأرض. فالكتائب الإيرانية المنفلتة على الأرض في العراق تشكل خطرًا جسيمًا على سيادته، وهذه، وحتى اللحظة، داخل ما يسمى الحشد الشعبي، لم تسلم أسلحتها، ولم تتفكك، ولم تندمج داخل الجيش العراقي.
كما أن النفوذ الإيراني يقف على عتبة العراق، بل بالأحرى داخل مزارعه وريفه وقراه، بعدما تغلغل داخل العراق طوال أكثر من 20 عامًا، بشكل لم ينتهك السيادة فحسب، بل خرقها ومزقها ونفاها إلى مكان بعيد.
والاقتصاد العراقي اليوم ليس في أفضل حال، وهو كذلك منذ 20 عامًا، والعملة العراقية منهارة في مواجهة الدولار، والشعب العراقي ممزق ومتنازع الولاءات، والبلد مفتت فعليًا وواقعًا، لكن على العراقيين تقبل فتح صفحة جديدة، ومساعدة الحكومة الحالية والقادمة على أن تبدأ عهدًا من الاستقرار في بغداد، وأن تستعيد الدولة العراقية من غياهب الضياع والانقسام والصراعات.
والتحدي داخل العراق كبير للغاية، والأيام القليلة التي مرت على الانسحاب الأمريكي ليست كافية اليوم للحكم على مستقبل بغداد. لكن تيقن الجميع أن العراق في نهاية المطاف للعراقيين، ولابد أن يحافظوا على بلادهم، وأن يكون واضحًا أنهم لا يجب أن يودعوا الاستعمار الأمريكي ليجلبوا احتلالًا إيرانيًا أكثر بشاعة وتغلغلًا من ذي قبل، وأنهم أيضًا قادرون على سحق أي تنظيمات إرهابية مرعبة قد تعاود تنظيم صفوفها من جديد بعد خروج الأمريكيين من أراضيهم.
ولا يزال العراق في محنته بعد أكثر من عقدين من سقوط بغداد، وينتظر الحكم المخلص من الضياع، عبر انتخاب شعبي لزعامة حقيقية تعيد لم شتات العراق وتوحيد رايته وإبراز سيادته في وجه الجميع.
والأيام حبلى بالمفاجآت…