قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

سيد الضبع يكتب: ماذا لو غاب الأمن؟.. بين درس 2011 وما يحدث حولنا

سيد الضبع
سيد الضبع

قد يمر الإنسان في الشارع فيرى حملة أمنية، أو يسمع عن ضبط متهم، أو يتابع خبرًا عن القبض على خارجين عن القانون، فيتعامل مع الأمر باعتباره خبرًا عاديًا من أخبار اليوم.. لكن الحقيقة أن وراء كل واقعة يتم ضبطها منظومة أمنية كاملة تعمل حتى يظل المجتمع قادرًا على ممارسة حياته بصورة طبيعية.

وجود الجريمة لا يعني غياب الأمن، بل إن مواجهة الجريمة وضبط مرتكبيها جزء أساسي من معنى الأمن نفسه.

وهنا ربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا سؤالًا أبعد من مجرد متابعة أخبار الضبطيات: ماذا لو غاب الأمن تمامًا؟ ماذا سيحدث لو لم يجد المواطن شرطيًا في الشارع؟

ماذا سيحدث إذا لم تكن هناك أجهزة تلاحق الجريمة وتحمي الممتلكات وتؤمّن المنشآت وتتعامل مع الخارجين عن القانون؟

كيف سيكون شكل الحياة إذا تحولت الشوارع إلى مساحة مفتوحة لمن يفرض قوته على الآخرين؟

الإجابة ليست صعبة، لأن مصر نفسها مرت بتجربة قاسية ما زالت تفاصيلها حاضرة في ذاكرة المصريين.

نتحدث عن أحداث عام 2011، عندما شهدت البلاد حالة من الاضطراب الأمني، وظهرت تداعياتها على تفاصيل الحياة اليومية؛ خوف في الشوارع، واضطراب في حركة الحياة، وصعوبة في الحصول على بعض السلع والوقود، وتراجع في الخدمات، فضلًا عن حالة عامة من القلق وعدم اليقين.

وليس المقصود هنا إعادة فتح نقاش سياسي حول تلك الأحداث، وإنما تذكير الأجيال التي عاشت تلك الفترة، وتعريف الأجيال الأصغر التي لم تعش تفاصيلها، بأن الأمن ليس شيئًا ننتبه إلى قيمته بعد فقدانه.

فالمواطن قد يختلف مع مسؤول، وقد ينتقد ارتفاع الأسعار، وقد يطالب بتحسين الخدمات، وقد يختلف في الرأي السياسي، وكل ذلك يمكن أن يحدث داخل دولة مستقرة ومؤسسات تعمل.

لكن عندما يغيب الأمن، تتغير القاعدة كلها

وقتها لا يصبح السؤال: كم سعر السلعة؟ بل: هل أستطيع الوصول إلى السوق أصلًا؟ ولا يصبح السؤال: هل الخدمة جيدة؟ بل: هل الخدمة تعمل؟ ولا يصبح السؤال: هل أستطيع أن أمارس عملي بأمان؟ بل: هل أستطيع أن أخرج من منزلي وأنا مطمئن على نفسي وأسرتي؟

وهذه ليست مبالغة، فالنظر إلى المنطقة من حولنا يكشف أن الأمن والاستقرار ليسا أمرين مضمونين إلى الأبد.

قبل سنوات، كانت دول عربية كثيرة تعيش أوضاعًا أكثر استقرارًا مما نشهده اليوم، أما الآن، فقد عاشت دول في المنطقة حروبًا وصراعات وانقسامات أضعفت مؤسساتها، ودفعت ملايين المواطنين إلى النزوح وترك منازلهم والبحث عن مكان آمن.

ومن يرى أشقاء عربًا جاءوا إلى مصر هربًا من ظروف بلادهم، يدرك أن الوطن الآمن نعمة لا يشعر الإنسان بقيمتها كاملة إلا عندما يرى غيره وقد فقدها.

وهنا يجب أن نعي جيدًا أن الأمن الذي نعيشه لا تصنعه جهة واحدة بل هناك منظومة كاملة من مؤسسات الدولة تعمل ليلًا ونهارًا لحماية الوطن ومواجهة المخاطر التي قد تهدد أمنه واستقراره.

وهناك مصريون يعملون في مواقع قد نعرف أسماء مؤسساتها، لكننا لا نعرف تفاصيل ما يقومون به، لأن طبيعة عمل بعض هذه المؤسسات تفرض السرية وعدم الإعلان.

فالمخابرات العامة تضطلع بمهام وطنية بالغة الحساسية تتعلق بالأمن القومي، والمخابرات الحربية والاستطلاع تقوم بدور أساسي في حماية الأمن القومي العسكري ومواجهة التهديدات، وقطاع الأمن الوطني يعمل في نطاق اختصاصه لمواجهة المخاطر التي تستهدف أمن الدولة من الداخل، بينما تواصل القوات المسلحة دورها في حماية حدود البلاد وصون سيادتها.

وفوق هذه المنظومة تأتي القيادة السياسية التي تتحمل مسؤولية إدارة الدولة في ظل إقليم شديد الاضطراب، واتخاذ القرارات التي ترى أنها تحمي المصالح الوطنية المصرية.

ولا ينبغي أن نتعامل مع هذه المؤسسات وكأنها كيانات بعيدة عن الشعب؛ من يعملون فيها مصريون، لهم أسر وأبناء وبيوت، ويؤدون مهامهم من أجل بلدهم.

وقد لا نعرف أسماء الكثير منهم، ولا نعرف طبيعة المهام التي يقومون بها، وربما لا نعرف حجم ما تم منعه قبل أن يتحول إلى خطر، لأن نجاح العمل الأمني في كثير من الأحيان هو أن لا يرى المواطن أصلًا ما تم إحباطه.

وهذا تحديدًا هو معنى الأمن الحقيقي: أن تعيش حياتك بصورة طبيعية لأن هناك من يعمل في الخلفية حتى تستمر هذه الحياة.

لكن الأمن اليوم لم يعد مرتبطًا بالشارع وحده؛ فهناك معركة أخرى تدور على الشاشات والهواتف.

مصر تتعرض، لحملات إلكترونية منظمة تستهدف نشر الشك والإحباط، وتضخيم المشكلات، والاجتزاء من الوقائع، وإعادة تدوير الشائعات، وصولًا إلى محاولة هز ثقة المواطن في دولته ومؤسساتها.

والأخطر أن بعض هذه الحملات لا تكتفي بانتقاد أداء مسؤول أو مناقشة مشكلة، وإنما تحاول صناعة حالة عامة من اليأس، وكأن الدولة كلها لا أمل فيها، وكأن الطريق الوحيد أمام المواطن هو الغضب والفوضى.

وهنا يجب أن نكون أكثر وعيًا؛ فالحرب على الدول لم تعد دائمًا بالدبابات والطائرات، وإنما قد تبدأ بمنشور، وفيديو مجتزأ، وحساب مجهول، وشائعة تتكرر آلاف المرات حتى يظن البعض أنها حقيقة.

ومن حق أي مواطن أن ينتقد، ومن حقه أن يطالب بالإصلاح، لكن عليه في الوقت نفسه أن يسأل نفسه: هل ما أراه حقيقة موثقة أم محتوى صُمم خصيصًا ليصنع بداخلي الغضب والإحباط؟

لأن الهدف من بعض الحملات المعادية ليس إصلاح مشكلة بعينها، وإنما الوصول في النهاية إلى إضعاف الثقة في الدولة ومؤسساتها، وزرع الإحباط بين المواطنين، ودفع المجتمع إلى حالة من الانقسام والفوضى.

وهنا تصبح مسؤولية المواطن مهمة للغاية؛ لأن الحفاظ على الدولة لا تقوم به الأجهزة وحدها، وإنما يشارك فيه المواطن بوعيه، وبحرصه على التحقق، وعدم إعادة نشر الشائعات، وعدم منح الحسابات المجهولة فرصة لتوجيه مشاعره وعقله.

ومصر، بحفظ الله ورعايته أولًا، ثم بفضل أبنائها المخلصين، وبقوة مؤسساتها، لن تكون دولة سهلة السقوط، فقد نواجه أزمات، وقد نمر بظروف صعبة، وقد نختلف حول بعض السياسات، وهذا طبيعي في حياة الدول والمجتمعات، لكن هناك فارقًا بين أن نختلف داخل وطننا من أجل إصلاحه، وبين أن نسمح لمن يريد أن يحول خلافاتنا إلى أدوات لإضعاف الوطن.

مصر أكبر من أي أزمة، وأقوى من أي حملة تشويه، وستظل بإذن الله صامدة ما دام أبناؤها يدركون أن الوطن لا يُحمى بالكلام فقط، وإنما بالوعي والعمل والتكاتف.

والتلاحم حول الوطن لا يعني أن نتخلى عن عقولنا أو أن نغلق باب النقد، وإنما يعني أن نعرف متى نختلف، وكيف نختلف، ومتى يصبح الحفاظ على الدولة أولوية لا تحتمل العبث.قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. فالوحدة في أوقات الأزمات قوة، والتفرق هو الباب الذي تدخل منه الفتن.

ومصر اليوم في حاجة إلى وعي أبنائها، وإلى تماسكهم، وإلى وقوفهم صفًا واحدًا خلف وطنهم، ودعم جيشهم الوطني، وقيادتهم، ومؤسساتهم وأجهزتهم، في مواجهة أي خطر يستهدف أمن البلاد واستقرارها.