قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إنه لقد كان المولد النبوي الشريف إطلالةً للرحمة الإلهية على التاريخ البشري كله، وعبَّر القرآن الكريم عن بعثته ﷺ بأنها رحمةٌ للعالمين.
واضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن هذه الرحمة لم تكن محدودة؛ فهي تشمل تربية البشر، وتزكيتهم، وتعليمهم، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، والارتقاء بحياتهم المادية والمعنوية.
كما أنها لا تقتصر على أهل ذلك الزمان، بل تمتد عبر التاريخ كله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾.
واشار إلى أن الاحتفال بذكرى مولد سيد الكونين وخاتم الأنبياء والمرسلين، نبي الرحمة سيدنا محمد ﷺ، من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه تعبير عن الفرح والحب للنبي ﷺ، ومحبة النبي ﷺ أصل من أصول الإيمان.
وقد صح عنه ﷺ أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» [رواه مسلم].
وقال ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [رواه البخاري].
وقال ابن رجب: «محبة النبي ﷺ من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله عز وجل، وقد قرنها الله بها، وتوعَّد من قدَّم عليهما محبة شيءٍ من الأمور المحببة طبعًا، من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك».
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾.
ولما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه للنبي ﷺ: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيءٍ إلا من نفسي، فقال له النبي ﷺ:«لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ» فقال عمر رضي الله عنه:فإنه الآن، والله، لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال النبي ﷺ: «الْآنَ يَا عُمَرُ» [رواه البخاري].
فالاحتفال بمولده ﷺ هو الاحتفاء به، والاحتفاء به ﷺ أمرٌ مقطوع بمشروعيته؛ لأنه أصل الأصول ودعامتها الأولى.
فقد عَلِمَ الله سبحانه وتعالى قدر نبيه، فعرَّف الوجود بأسره باسمه، وبمبعثه، وبمقامه، وبمكانته. فالكون كله في سرور دائم، وفرح مطلق، بنور الله وفرجه ونعمته على العالمين وحجته.
حارت العقول في تقدير فضله، وخرست الألسن دون وصفٍ يحيط بذلك أو ينتهي إليه: فَهْوَ الَّذِي تَمَّ مَعْنَاهُ وَصُورَتُهُ .. ثُمَّ اصْطَفَاهُ حَبِيبًا بَارِئُ النَّسَمِ مُنَزَّهٌ عَنْ شَرِيكٍ فِي مَحَاسِنِهِ .. فَجَوْهَرُ الْحُسْنِ فِيهِ غَيْرُ مُنْقَسِمِ دَعْ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي نَبِيِّهِمِ .. وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ وَانْسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ .. وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ .. حَدٌّ فَيُعْرِبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ.

