أعلن «سينيفيل المركز السينمائي المستقل بالإسكندرية» تجميد أنشطته الجماهيرية اعتبارًا من 1 سبتمبر 2026 وحتى إشعار آخر، بسبب الظروف الاقتصادية التي جعلت استمرار تشغيل المركز وتنفيذ برامجه وتطوير خدماته أمرًا بالغ الصعوبة، في خطوة أثارت حالة من الحزن والقلق بين عدد من السينمائيين والمثقفين، الذين اعتبروا توقف أنشطته خسارة للمشهد الثقافي في الإسكندرية.
وأوضح المركز، في بيان، أن القرار جاء عقب مشاورات جمعت إدارته ومؤسسيه بعدد من المؤسسات السينمائية والثقافية والسينمائيين والفنانين وخبراء ومديري الثقافة والفنون، إلى جانب عدد من جمهور المركز. وشهد مقر «سينيفيل» اجتماعًا لمناقشة التحديات التي يواجهها وطرح رؤى وحلول تضمن إمكانية استمراره في ظل الظروف الحالية.
ومنذ تأسيسه عام 2022، سعى «سينيفيل» إلى تحويل مساحة ذات قيمة تاريخية ومعمارية استثنائية إلى مركز سينمائي مستقل، يضم قاعة عرض، وقاعة للتدريب والمعارض، ومكتبة متخصصة تحتوي على أكثر من 3 آلاف كتاب، إلى جانب أرشيف يضم مئات الوثائق السينمائية المصرية والعربية النادرة.
وأكد المركز أنه جرى تجهيزه وفق أعلى المعايير الممكنة لضمان سلامة الجمهور وجودة تجربة المشاهدة، مع الالتزام بتقديم السينما وفق معايير فنية مستقلة، بعيدًا عن أي انتماءات أو أجندات أو توجهات أيديولوجية.
رحلة من الحلم إلى الواقع
لم يكن «سينيفيل» مجرد قاعة لعرض الأفلام، وإنما مشروعًا ثقافيًا حمل مؤسسه ومديره المبرمج والموزع السينمائي وجيه اللقاني عبء تأسيسه وتشغيله لسنوات، في ظل غياب الدعم المالي المؤسسي.
وفي شهادته عن تجربة تأسيس المركز، قال الناقد السينمائي أسامة عبد الفتاح إنه كان شاهدًا عن قرب على مراحل تحويل شقة قديمة في شارع كنيسة اليونان إلى مساحة سينمائية متكاملة، تضم قاعة عرض تتسع لنحو 40 مقعدًا، وقاعة للتدريب والورش والمحاضرات، ومكتبة تضم 3 آلاف كتاب سينمائي، إلى جانب أرشيف يضم آلاف الأوراق والمستندات التاريخية النادرة.
وأشار عبد الفتاح إلى أنه تابع مراحل المشروع منذ أعمال التكسير والتجهيز وحتى اكتماله، مع الحرص على إعادة تفاصيل المكان إلى ما كانت عليه قبل قرن تقريبًا، لافتًا إلى مشاركته اللقاني في البحث عن كراسي قاعة العرض وبعض التماثيل والتحف المناسبة لتزيين المركز.
وأكد أن الرحلة استغرقت سنوات وتكلفت ملايين الجنيهات، معتبرًا أن توقف المشروع لا ينبغي أن يمر دون محاولة جادة لإنقاذه، قائلاً إن الوقت حان لدعم «سينيفيل» حتى يتمكن من مواصلة دوره في الحياة الثقافية والسينمائية بالإسكندرية.
مطالب بدعم المؤسسات الثقافية المستقلة
من جانبه، دعا المخرج أمير رمسيس إلى إعادة التفكير في آليات دعم الدولة للحراك الثقافي المدني بصورة أكثر تنظيمًا، مشيرًا إلى أهمية أن تلعب المؤسسات الخاصة دورًا أكبر في دعم الفعاليات والمشروعات الثقافية المستمرة.
ورأى رمسيس أن دعم الشركات للمهرجانات لا ينبغي أن يقتصر على الفعاليات التي تحقق لها مكاسب دعائية، وإنما يمكن توجيه جزء من هذه الميزانيات إلى مشروعات سينمائية وثقافية مستقلة تسهم فعليًا في تنمية الصناعة.
أما محمود محمود، رئيس مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، فوصف تجميد أنشطة «سينيفيل» بأنه «خسارة كبيرة لمدينة الإسكندرية»، معتبرًا أن ما حدث يعكس حجم المشكلات التي تواجه المشهد السينمائي، ومؤكدًا أن وجيه اللقاني قدم للمجال ما لا يستطيع كثيرون تقديمه.
أرشيف سينمائي مذهل
وتعليقًا على القرار، أعرب المنتح والمخرج مارك لطفي عن أسفه الشديد لمؤشرات الإغلاق، واصفًا النبأ بـ "المؤسف جداً"، ومؤكداً أن المساحة أُعدّت لتكون مكاناً متخصصاً يقدّم عروضاً عالية الجودة أقرب لقاعة سينما مصغرة تخدم مختلف اتجاهات السينمائيين، فضلاً عن تواصلها مع شرائح جماهيرية متنوعة.
وأشار لطفي إلى أن «سينيفيل» يمتلك أرشيفاً سينمائياً مذهلاً يتيح خصوصية شديدة للباحثين، مُبدياً استغرابه من عدم تقديم الدعم الكافي لمثل هذه المشاريع، حيث علّق قائلاً: "ليس لدي تفسير واضح لرفض الجهات لدعم مشروع هام بهذا الشكل".
«التجميد لا يعني النهاية»
وشدد «سينيفيل» على أن تجميد أنشطته الجماهيرية لا يعني نهاية المركز، مؤكدًا بقاءه واستمرار فريق العمل في البحث عن بدائل وشراكات حقيقية تتيح استعادة برامجه وفتح أبوابه أمام الجمهور مجددًا.
وأوضح أن المركز تقدم خلال السنوات الماضية بطلبات عديدة للحصول على تمويل أو عقد شراكات مع جهات محلية وإقليمية ودولية، بهدف توفير الموارد اللازمة لاستمرار نشاطه، إلا أن تلك المحاولات لم تكلل بالنجاح.
وكشف البيان أن مؤسسي المركز تحملوا كامل تكاليف تشغيله خلال السنوات الماضية، ووصل الأمر في بعض المراحل إلى اللجوء لقروض شخصية لضمان استمرار أنشطته.
ورغم تجميد الفعاليات، أكد «سينيفيل» أن الباب لا يزال مفتوحًا أمام الشراكات ودعم المشروعات والبرامج المحددة التي يمكن أن تساعده على الاستمرار، مشددًا على أن بيانه ليس دعوة إلى التبرعات، وإنما محاولة لتوثيق تجربته وفتح حوار جاد حول مستقبل المساحات السينمائية والثقافية المستقلة في مصر.