قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

العلماء بدل المشاهير.. الصين تقلب قواعد الشهرة وتضع صُنّاع النهضة على عرش الشاشات

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

في الوقت الذي تتصدر فيه صور المشاهير ونجوم الفن والرياضة والإعلام واجهات المدن الكبرى في كثير من دول العالم، تبدو الصين وكأنها اختارت طريقًا مختلفًا تمامًا في تعريفها لـ"النجومية". ففي الميادين الرئيسية ومحطات مترو الأنفاق وعلى اللوحات الإعلانية الممتدة فوق الطرق، لا تذهب المساحات الأكثر وضوحًا بالضرورة إلى نجوم الترفيه، وإنما تُمنح لشخصيات علمية وبحثية أسهمت في بناء نهضة البلاد وتقدمها.

المشهد الذي يلفت أنظار الزائرين الأجانب إلى المدن الصينية لا يتوقف عند كونه فكرة دعائية أو احتفاءً بشخصيات تاريخية، بل يعكس رسالة ثقافية واضحة العلم والمعرفة والعمل من أجل الوطن يستحقون أن يكونوا في صدارة المشهد.
 

علماء في قلب المدن الصينية

من بين الوجوه التي تظهر في هذه المساحات العامة، أسماء بارزة مثل تشيان شيويه سن، أحد أبرز مؤسسي برامج الصواريخ والفضاء في الصين، والفيزيائي النووي دنغ جياشيان، إلى جانب عالم الزراعة يوان لونغ بينغ، صاحب الإسهامات البارزة في تطوير الأرز الهجين.

تحولت صور هؤلاء العلماء وقصص إنجازاتهم إلى جزء من المشهد اليومي للمدن الصينية، يراها المواطن أثناء تنقله في الشوارع أو استقلاله وسائل النقل، كما يلاحظها السائح القادم للمرة الأولى إلى البلاد.

وهنا تتجاوز الصورة مجرد تكريم لشخصية علمية، لتصبح وسيلة لتقديم نموذج مختلف للنجاح والقدوة، خصوصًا أمام الأجيال الجديدة.

«العلماء هم النجوم الحقيقيون»

هذا المشهد لم يمر دون اهتمام على منصات التواصل الاجتماعي العالمية، حيث أثار ظهور العلماء على أكبر الشاشات واللوحات العامة ردود فعل واسعة من متابعين من خارج الصين.

وتركزت كثير من التعليقات حول فكرة بسيطة لكنها لافتة.. إذا كان المجتمع يريد صناعة جيل طموح، فلماذا لا تكون الشخصيات الأكثر تأثيرًا في حياة الأطفال والطلاب هي العلماء والباحثون ورواد الفضاء؟

وذهب البعض إلى المقارنة بين اهتمامات الأطفال في عدد من المجتمعات، حيث يحلم بعضهم بأن يصبحوا مشاهير على منصات التواصل الاجتماعي، بينما ترتبط طموحات أطفال في الصين بصورة أكبر بمهن مثل رواد الفضاء والباحثين والعلماء.

ثقافة تقدير العلم ليست جديدة

ولا يبدو هذا التوجه الصيني ظاهرة حديثة بالكامل، بل يرتبط بثقافة متجذرة في المجتمع الصيني تقوم على تقدير المعرفة والتعلم والانضباط والعمل من أجل تحقيق هدف أكبر.

ومن هذا المنطلق، فإن وضع العلماء في قلب المشهد العام يمثل استمرارًا حديثًا لتقليد ثقافي قديم، لكن بأدوات العصر الجديدة. فبدل أن تكون القدوة داخل الكتب أو قاعات الدراسة فقط، أصبحت صورتها حاضرة في الشارع وعلى الشاشات العملاقة.

من «ماذا أنجزت الصين؟» إلى «كيف أنجزت؟»

تكتسب هذه الصورة أهمية أكبر في ظل ما حققته الصين خلال السنوات الأخيرة في مجالات التكنولوجيا والصناعة والذكاء الاصطناعي والفضاء.

ومع اتساع اهتمام العالم بالتجربة الصينية، بدأ السؤال يتغير تدريجيًا. لم يعد الاهتمام منصبًا فقط على معرفة ما الذي استطاعت الصين تحقيقه، وإنما أصبح هناك فضول أكبر لمعرفة كيف تمكنت من الوصول إلى هذه النتائج؟

وربما تحمل صور العلماء المنتشرة في المدن جزءًا من الإجابة. فالدولة التي تمنح العلم والبحث والتجربة العلمية مساحة بارزة في الحياة العامة، تبدو أكثر قدرة على بناء بيئة تشجع الابتكار والاستمرار في التطور.

إنجازات تتجاوز حدود الصين

ولا تتوقف قصص هؤلاء العلماء عند حدود الصين، فعدد من إنجازاتهم ارتبط بتطبيقات استفاد منها العالم بأسره.

وتبرز هنا تجربة يوان لونغ بينغ في تطوير الأرز الهجين، واكتشاف تو يويو لمادة الأرتيميسينين المستخدمة في علاج الملاريا، إلى جانب نظام «بيدو» للملاحة، والبرامج الفضائية الصينية التي فتحت مجالات للتعاون والبحث العلمي مع علماء من دول مختلفة.

ومن هذا المنظور، يصبح الاحتفاء بالعلماء رسالة تتجاوز الفخر الوطني، لتؤكد أن العلم يمكن أن يكون مساحة للتعاون بين الشعوب، وأداة للمساهمة في مواجهة تحديات مشتركة.
 

في الشوارع الصينية، لا تبدو اللوحات العملاقة مجرد صور معلقة على الجدران، بل تحمل تصورًا مختلفًا لمعنى الشهرة والنجاح. فبدل أن يكون الضوء كله مسلطًا على من يملكون أكبر عدد من المتابعين، تفتح الصين مساحاتها العامة أمام من امتلكوا المعرفة وتركوا أثرًا حقيقيًا في حياة الناس.
 

ولعل أكثر ما أثار اهتمام العالم في هذه الظاهرة أن الصين لا تكتفي بالحديث عن أهمية العلم، بل تحاول أن تجعل العالِم نفسه جزءًا من الحياة اليومية ومن المشهد البصري للمدينة. وفي زمن أصبحت فيه الشهرة أسهل من أي وقت مضى، تبدو الرسالة الصينية واضحة.. هناك فرق بين من يشتهر، ومن يستحق أن يكون قدوة.