لم تعد مهمة المؤسسات الحكومية تقتصر على تنفيذ السياسات العامة أو تقديم الخدمات للمواطنين، بل أصبح من المهم أن تمتلك القدرة على التواصل الفعال مع الجمهور، وأن تشرح ما تقوم به، ولماذا تقوم به، وما الذي يعود به على المواطن والمجتمع.
وهنا يبرز مفهوم التسويق الإعلامي لمؤسسات الدولة، باعتباره أحد الأدوات المهمة في بناء الصورة الذهنية للمؤسسة وتعزيز الثقة بينها وبين الجمهور.
وهذا لا يعني تحويل العمل العام إلى حملات دعائية، ولا يعني تقديم صورة مثالية لا تعكس الواقع، وإنما يعني أن تمتلك المؤسسة رؤية واضحة لكيفية تقديم إنجازاتها وسياساتها وخدماتها إلى المواطن، بلغة يفهمها، وبالأدوات التي يتابعها، وفي التوقيت الذي يحتاج فيه إلى المعلومة.
ففي الماضي كان المواطن يعتمد على وسائل الإعلام التقليدية أما اليوم فقد تغير المشهد بصورة كبيرة نظرا للتطورات التكنولوجية المتسارعة والتى أتت بثمارها على وسائل الإعلام فالمواطن أصبح يتلقى الأخبار من الهاتف المحمول ، ويتابع صفحات المؤسسات على مواقع التواصل الاجتماعي، ويبحث عن إجابة فورية عن أي معلومة تشغله.
هذا التحول فرض واقعًا جديدًا على المؤسسات الحكومية، وأصبح امتلاكها لمنظومة إعلامية قادرة على التواصل السريع و أهم تطور يجب أن ننتبه إليه هو أن المعلومة الحكومية نفسها أصبحت جزءًا من الخدمة المقدمة للمواطن الذى يريد أن يعرف ببساطة: ماذا حدث؟ ولماذا؟ وكيف سيؤثر ذلك في حياته؟ وماذا عليه أن يفعل؟
وكلما كانت الإجابة واضحة وسريعة، زادت قدرة المؤسسة على بناء الثقة مع جمهورها.
ومن هنا تأتي أهمية أن تكون المؤسسة الحكومية هي المصدر الأول للمعلومة المتعلقة بعملها، وأن تصل المعلومة إلى الجمهور قبل أن تسبقها الشائعات .
نحن أمام جمهور يريد الصورة والفيديو والقصة والمعلومة المختصرة، ويريد في الوقت نفسه أن يشعر بأن المؤسسة تتحدث إليه .
ومن هنا يجب أن تعيد المؤسسات الحكومية النظر في طريقة إنتاج المحتوى الحكومي لكن الأهم من كل ذلك هو أن يظل المحتوى قائمًا على الحقيقة والمصداقية ولهذا أرى أن المؤسسات الحكومية تحتاج إلى الانتقال من مفهوم «التغطية الإعلامية» إلى مفهوم أوسع هو إدارة الصورة الذهنية والسمعة المؤسسية
التى لا تتكون من حملة إعلامية واحدة، ولا من خبر واحد، وإنما تتشكل على مدار الوقت من مجموعة كبيرة من التفاصيل وهنا يمكننا القول أن الخطاب الحكومي الحديث يحتاج إلى التعامل مع المواطن باعتباره شريكًا في عملية الاتصال، وليس مجرد متلقٍ للمعلومات وهذا يتطلب وجود استراتيجية إعلامية واضحة لكل مؤسسة
ومن هنا، فإن تطوير التسويق الإعلامي لمؤسسات الدولة المصرية ليس ترفًا إعلاميًا، وإنما أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر.
لدينا في الدولة المصرية مشروعات وسياسات وخدمات وتجارب تستحق أن تصل إلى المواطن بصورة أفضل، لكن التحدي لا يكمن فقط في حجم ما يتم إنجازه، وإنما في كيفية رواية هذا الإنجاز.
فالقصة الجيدة لا تصنع إنجازًا من العدم، لكنها تستطيع أن تجعل المواطن يرى الإنجاز ويفهمه ويعرف أثره.
وفي النهاية، فإن الهدف الأساسي من التسويق الإعلامي الحكومي يجب ألا يكون مجرد تحسين صورة المؤسسة، وإنما بناء علاقة قائمة على المعرفة والثقة والمصداقية بينها وبين المواطن.
وهذه العلاقة، في تقديري، هي المعيار الحقيقي لنجاح أي منظومة إعلامية حكومية.