في أكتوبر 2025، أطلق جيمي ديمون (Jamie Dimon) ، الرئيس التنفيذي لـ«جي بي مورجان تشيس»، تحذيرًا لافتًا بعد حالتي تعثر بارزتين في قطاع الائتمان الخاص، إحداهما لشركة مصنعة لقطع غيار السيارات، والأخرى لمُقرض متخصص في قروض السيارات عالية المخاطر. وقتها، بدا الأمر وكأنه عاصفة محدودة في سوق ائتماني سريع النمو، لكن عام 2026 أعاد التحذير إلى الواجهة بقوة، بعدما بدأت الضغوط تتسع وتمتد إلى عالم مؤسسات الإقراض خارج نطاق الرقابة المصرفية التقليدية أو ما يُعرف بـ«الظل المصرفي» (Shadow Banking). لكن ما يجعل تحذير ديمون أكثر إثارة للانتباه هو صاحبه، فالرجل ليس محللًا يراقب الأسواق من بعيد، بل يقود واحدة من أكبر المؤسسات المالية في العالم، بأصول بلغت 4.4 تريليون دولار بنهاية 2025. ولهذا، فإن كلماته لا تبدو مجرد قراءة متشائمة للسوق، بل جرس إنذار يدق من داخل غرفة المحرك للنظام المالي العالمي.
لم يغفل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي هذا الخطر، بل وضعه تحت المجهر مبكرًا عبر «تحليل استكشافي» ضمن دورة اختبارات الضغط لعام 2025، لرصد حجم تعرض البنوك الكبرى للمؤسسات المالية غير المصرفية، في أول تحليل من نوعه لهذا القطاع. وتكشف الأرقام عمق هذا التشابك؛ فقد قفزت التزامات البنوك تجاه هذه الكيانات إلى 2.3 تريليون دولار بنهاية الربع الرابع من 2024، بزيادة 56% خلال خمس سنوات، في وقت لم يتجاوز فيه نمو القروض التقليدية 21%. لكن المفارقة أن اختبارات الضغط الرسمية لعام 2025 لم تتضمن قياسًا صارمًا لمخاطر «الائتمان الخاص»، رغم تحذيرات أبحاث الفيدرالي نفسه من تسارع نمو هذا السوق. وكأن جرس الإنذار كان يدق بالفعل، لكن الخطر لم يبلغ بعد العتبة التي تدفع النظام المالي إلى رفع صوته والتحرك بحسم.
علينا أن نضع نصب أعيننا أن الأزمات المالية لا تبدأ عادةً لحظة الانهيار، بل قبلها بوقت طويل، حين تتراكم نقاط الضعف خلف أصول تبدو آمنة. ثم يكفي تغير واحد في الظروف حتى ينكشف ما كان مخفيًا.
وبالتالي فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو هل بدأ الائتمان الخاص الأمريكي يقترب من هذه المنطقة الخطرة بعد عقد من النمو كبديل للتمويل المصرفي؟
المؤشرات تقول إن الخطر لم يعد افتراضيًا، فقد كشف تحليل لـ44 شركة ائتمان خاص (BDCs) تراجع القيمة العادلة للقروض، وقفز معدل التعثر إلى 3.4% بضغوط مركزة على قطاع البرمجيات. لكن الخطر الأدهى يتجاوز أرقام التعثر إلى "سيكولوجية السيولة". فحين يهرع المستثمرون لباب الخروج، تنكشف هشاشة الصناديق. ودليل ذلك ما حدث مع صندوق "بلاكستون" (BCRED) في الربع الثالث من 2026، حين تلقى طلبات سحب بنسبة 10%، واكتفى بالسماح بـ 5% فقط كحد أقصى. هنا تكمن المفارقة القاتلة: الأصول تبدو حصينة على الورق، لكن الاختبار الحقيقي هو النقد المتاح لتوفير السيولة، قد تُجبر الصناديق على بيع أصولها تحت الضغط وبأسعار تهوي دون قيمتها الدفترية. وفي تلك اللحظة، تتحول الفجوة بين "القيمة الورقية" و"السعر السوقي" من مجرد خطر نظري، إلى شرارة قد تمتد اضطراباتها إلى النظام المالي بأكمله. وهنا يعود شبح 2008 إلى المشهد عبر تحذيرات ديمون فهل نحن أمام تصحيح عابر، أم بداية انهيار؟
قراءتي للمشهد، التي تتقاطع مع ما خلص إليه ديمون نفسه في مناسبتين لاحقتين، رسالته السنوية للمساهمين في أبريل 2026، ثم تصريحاته في مؤتمر صندوق الثروة النرويجي أواخر الشهر نفسه حين أكد أن مخاطر الائتمان الخاص «على الأرجح ليست نظامية»، لكن الخسائر عند حدوث الدورة الائتمانية «ستكون أسوأ مما يتوقعه الناس»، تقودني إلى إجابة واضحة لا لسنا أمام كارثة نظامية، بل أمام «اختبار إجهاد» شديد الحساسية. والخطر الحقيقي لا يكمن في ارتفاع التعثر وحده، وإنما في سرعة انتقال السوق من الاطمئنان إلى الخوف، ومن الخوف إلى الاندفاع نحو السيولة.
وغياب الأزمة اليوم لا يعني أن الخطر انتهى. فالأزمات المالية لا تولد فجأة؛ إنها تبدأ عندما تتسع الفجوة بين المخاطر المتراكمة في الظل، وقدرة النظام المالي على توفير السيولة في اللحظة التي يندفع فيها الجميع لاسترداد أموالهم. وهنا تحديدًا تكمن نقطة الخطر: ليس عندما تبدأ الخسائر في الظهور، بل عندما يكتشف الجميع في الوقت نفسه أنهم يريدون النقد.
وماذا عن مصر؟
قد لا تمتلك مصر سوقًا للائتمان الخاص بحجم نظيره الأمريكي، لكن قطاع التمويل غير المصرفي من التأجير التمويلي والتخصيم إلى التمويل الاستهلاكي والعقاري أصبح مكوّنًا مهمًا في منظومة الائتمان، ومن ثم ليس بمنأى عن الضغوط التي قد تفرضها التحولات في الأسواق العالمية.
وتفسر الأرقام أهمية هذا الملف. فقد بلغت محافظ التمويل غير المصرفي نحو 417 مليار جنيه بنهاية 2025، بينما وصلت التمويلات الممنوحة من الجهات الخاضعة لرقابة هيئة الرقابة المالية إلى نحو 1.4 تريليون جنيه، بما يعادل 54% من إجمالي التمويل المقدم للقطاع الخاص والأسر عبر النظام المالي. وفي عام واحد، قفز التمويل الاستهلاكي 57%، والتمويل العقاري 67.5%، والتأجير التمويلي 50.8%.
ورغم أن معدلات التعثر الرسمية لا تزال دون 3%، فإن الخطر لا يبدأ بالضرورة عندما تظهر حالات التعثر، بل قد يسبقها عبر تراجع جودة الائتمان، وارتفاع تكلفة التمويل، وصعوبة إعادة تدوير الديون، وضغوط السيولة. ومن ثم، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس هل ستنهار شركات التمويل المصرية إذا تعرض الائتمان العالمي لموجة اضطراب؟ بل إلى أي مدى يستطيع هذا القطاع امتصاص صدمة ائتمانية عالمية إذا طال أمد التشدد المالي وارتفعت تكلفة التمويل وتراجعت شهية المستثمرين للمخاطرة؟ وهنا تبرز أربع قنوات رئيسية تستحق المراقبة:
1. فخ الفائدة وسعر الصرف: يخلق ارتفاع الفائدة الأمريكية وقوة الدولار "ضربة مزدوجة" لشركات التمويل المصرية؛ بارتفاع تكلفة الأموال من جهة، وتراجع قدرة المقترضين على السداد من جهة أخرى.
2. عدوى القطاع المصرفي: شركات التمويل ليست "جزيرة منعزلة". تدهور محافظها قد يدفع البنوك المحلية لتشديد شروط الإقراض أو رفع تكلفته، مما ينقل الضغط لدوائر النظام المالي الأوسع.
3. أزمة إعادة التمويل: الأزمات لا تبدأ دائماً بالتعثر، بل بصعوبة "تدوير" الديون. تشدد المستثمرين قد يحرم الشركات من تجديد أدوات دينها بالشروط المعتادة.
4. هروب السيولة: في أوقات الاضطراب، تهرب الأموال نحو "الملاذات الآمنة" (كأذون الخزانة)، مما يرفع تكلفة التمويل على القطاع الخاص. إنها ليست عدوى مباشرة، بل "إعادة تسعير للمخاطر" تصل آثارها للقاهرة حتماً.
الدرس المصري: اختبر الأزمة قبل أن تختبرك
لا تنتظر الأزمة، اختبرها مسبقًا هنا تكمن أهم رسالة يمكن استخلاصها من تجربة الائتمان الخاص الأمريكي. فالمطلوب ليس فقط مراقبة نسب التعثر بعد وقوعها، وإنما بناء نظام إنذار مبكر يراقب في الوقت نفسه جودة الأصول، وتركيز المحافظ، ونسب التعثر، وقيمة الضمانات، ومصادر السيولة، وآجال الاستحقاق، ومدى الاعتماد على التمويل قصير الأجل. ويجب أن تمتد الرقابة إلى اختبارات تحمل أكثر واقعية، تحاكي ما قد يحدث إذا ارتفعت تكلفة التمويل، أو تراجعت قيمة الضمانات، أو ارتفعت معدلات التعثر، أو انخفضت السيولة، أو شددت البنوك شروط تجديد خطوط الائتمان. فالهدف ليس انتظار الخسائر لقياسها، وإنما اكتشاف نقاط الضعف قبل أن تتحول إلى أزمة.
وفي هذا السياق، يمثل التوريق إحدى الأدوات المهمة لإدارة السيولة وإعادة تدوير رأس المال، من خلال تحويل محافظ ائتمانية مؤهلة إلى أوراق مالية، بما يساعد على تخفيف ضغوط السيولة ومشكلة عدم تطابق الآجال. لكنه ليس علاجًا سحريًا؛ ففاعليته تظل مشروطة بجودة الأصول، وشفافية المحافظ، والتقييم الدقيق، والتسعير الواقعي للمخاطر.
خلاصة القول
لا تكمن أهمية ما يحدث في سوق الائتمان الخاص الأمريكي في احتمال انتقال «أزمة أمريكية» إلى مصر بصورة مباشرة، وإنما في أنه يكشف طبيعة الاقتصاد العالمي الجديد فالصدمات لا تحتاج إلى عبور الحدود حتى تصل إلينا؛ يكفي أن تتغير شهية المستثمرين تجاه المخاطر. وعندما يصبح الدولار أكثر جاذبية، وترتفع تكلفة الأموال، وتتراجع السيولة العالمية، تبدأ الأسواق الناشئة في دفع الثمن عبر أسعار الصرف وتدفقات رؤوس الأموال وتكلفة التمويل. ولهذا، لا ينبغي النظر إلى سلامة شركات التمويل المصرية باعتبارها قضية رقابية تخص كل شركة على حدة، بل باعتبارها جزءًا من الاستقرار المالي وقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية. وربما تكمن أهمية تحذير جيمي ديمون في تذكير الأسواق بقاعدة بسيطة: الأزمات لا تصبح خطيرة عندما تظهر المشكلة، بل عندما يكتشف الجميع المشكلة في الوقت نفسه. ولهذا، فإن أفضل وقت لاختبار قدرة النظام المالي على مواجهة أزمة سيولة ليس أثناء الأزمة، وإنما قبل أن تبدأ. فالائتمان السهل قد يبدو نعمة في أوقات الرخاء، لكن السؤال الذي يحدد قدرة الاقتصاد على الصمود هو ماذا يحدث عندما يصبح المال نفسه هو الشيء الأصعب في الحصول عليه؟