عقب انتهاء أحد الملتقيات الثقافية وفور خروجى منه الى الشارع للعودة إلى المنزل لم استطع أن أمحو من مخيلتى كمية الحوارات التى تدور فى عقلى وتأخذنى أخذا الى مرحلة تفنيد ما تناوله كل المشاركين فى الملتقى ومن على منصة الحوار ، اللقاء كان ثريا تحدث فيه علماء الاجتماع والنفس ومن يطلق عليهم النخبة .
الكل كان حديثه محبطا يعكس مدى ماوصل اليه المجتمع من تغيير قوى عصف بكل مفردات حياة مواطنيه واكد أن ينهى ماتبقى من قيم وثقافات موروثة وأخلاقيات متعارف عليها .
حتى المشاركين كانت اسألتهم كلها تعكس الرفض مع الخوف من المواجهة والإقرار بالواقع الذى أصبح أليما ومؤلما . الحياة قبل الذهاب إلى هذا الملتقى وعقب الخروج منه عكست صدى كلمة "عادى"، هذه الكلمة التى صارت كل رصيدنا اليومى والاسبوعىً والشهرى وربما السنوى . عادى ليست مجرد لفظة ولكنها مردود لكل ماتواجهه ولاتملك إلا تقول هذه الكلمة “عادى”. صارت تطلق فى الشدائد والأزمات وحتى فى الفرح والسعادة . فى كل الاوقات ترد عندما تسئل عما تشعر به فتقول “عادى“ وفى الفرح ايضا تردد بينك وبين نفسك قبل ان يسمعها الكل ”عادى”.. لماذا تحول المواطن إلى كائن يلخص كل مفردات حياته وكل مواقفه إلى كلمة عادى ؟ هل تجمدت المشاعر وأصبح الرد ثقيلا لدرجة أن لفظة واحدة تصبح جديرة بإخراج حالة مليئة بالملابسات وهى كلمة عادى ؟
عندما تتعقد أمامك كافة الطرق وتغلق كافة المنافذ ويحاصرك الإحساس بالعجز والضيق حينها إذا سألك أقاربك أو زملائك فى العمل أو جيرانك الجنب تجد كلمة "عادى" تخرج بسرعة من داخلك إلى العالم الخارجى وتفرض نفسها وتجعلك تكتفى بها ولاتزيد عنها ، وتسأل نفسك لماذا لم تخرج ما بداخلك وتحكى وتقص لمن سألك ماوصلت إليه من عتمة من كافة جوانب حياتك وربما من داخلك أيضا.
يأتى إليك الرد بأن كلمة عادى تساعدك فى الاستمرار فى هذه الحياة المزعجة وتجعلك على يقين بأن الفضفضة لن تؤتى ثمارها لان البشر لم يعودوا كما كانوا من قبل متعاونين محبين لبعضهم البعض وأن حمل الحياة صار ثقيلا على الكل ، بل أن كل من تظن أنهم مقربين منك ليسوا كذلك وبأنهم لن يشاركوك همومك ولن يحملوا عنك جرام من متاعبك لأن الحياة الآن تشبه من يدور فى ساقيك وهو مغمض العينين لايدرى متى سينتهى من اللف فى ساقية الحياة ولا الهدف من حلقة السعى غير المفهوم والمعروف نتائجه وأهدافه .
لفظة عادى تجعلك فى مرحلة "سر فى مكانك " نعم هى تلك الكلمة التى تقولها حتى لاتتعب نفسك فى شرح لن يفيدك فى شيء ولن تحصد منه سوى المزيد من حالات الزهق وربما القرف والسقوط فى فوهة بركان الحياة القاسية .
لفظة عادى بقدر مافيها من ثبات فى طريقة قولها إلا أنها بمثابة صرخة يطلقها المواطن حتى لأيتم استنزاف مشاعره وطاقته وحتى حياته التى يقضيها فى صراع لاينتهى بين مايريده ومايفرضه عليه المجتمع بكل رموزه ونخبته وهالاته بكافة أنواعها ودرجاتها الاجتماعية.. عادى كل شىء وأى شىء مادامت الحياة فى مجتمع أصبح كل شىء فيه عادى. أن تتابع نظام حياة روتينى يبدأ وينتهى بنفس الرتابة والملل فلابد أن تقول "عادى“، أن ترى بعين رأسك إنهيار منظومة قيمية وتردى المعيار الأخلاقى وانقلاب الهرم الاجتماعى رأسا على عقب فلاتملك إلا أن تقول ”عادى“. أن تتناقل وسائل التواصل الإجتماعى أخبار فئة من المجتمع كانت منذ القدم توصف بالمارقة المنحلة والان يتم بث اخبارها على أنهم كريمة المجتمع فساعتها سيكون تعليقك ”عادى" أن يتم إختزال كل ماتوارثته من أخلاق تصنف بأنها عيبا وسلوكا خاطئًا ويتم استبدالها بمسميات الحداثة والتقدم والمودرن وأنت تقف أمام هذا الطوفان مسلوب الإرادة ولا تستطيع حتى حماية نفسك مما يحاط بك من تغيير جذرى هل تستطيع وقتها إلا أن تحمى نفسك بكلمة “عادى”.
عندما تخرج فى الشارع وتشاهد مدى نطاعة الرجال بصفة عامة وآخرين من الصبية واستقوائهم على الفتيات وكبار السن بصفة خاصة ماذا ستفعل فى وسط هذا الكم من الابتزاز سوى أن تحاول أن تنأى بنفسك وتوهمها بأنك إذا قلت إن ما يحدث عادى فأنت حميتها وحصنتها من جرف هارى يبتلع مجتمع بأكمله .
العادى فى هذه المرحلة يتمركز فى أن الواقع لم يعط لك مساحة أن تقاوم وحصرك فى أن تكون على يقين بأنه من العادى أن نؤمن بأن ما يحدث شيء عادى وأن الغد ربما يغيره ويصبح غير عادى.