قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب: بلاغة الهشاشة في قصص شريف عبد المجيد

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

كأنك، وأنت تطوي الصفحة الأخيرة من مجموعة "جامع العملات القديمة" للكاتب شريف عبد المجيد،  تستيقظ من حلم طويل، حلم تمشيت فيه في أزقة مدينة تعرفها ولا تعرفها. مدينة من ورق وحبر وذاكرة، لا تشبه القاهرة التي تدوسها قدماك كل صباح، تشبه روحها العتيقة المتعبة، الساكنة تحت الجلد، تحت الإسفلت، تحت طبقات النسيان المتراكمة كصدأ على معدن ثمين. 
إنها مجموعة لا تقرأ بالعينين وحدهما، تقرأ بالذاكرة، بتلك الرعشة الخفيفة التي تسري في اليد حين تلامس شيئاً كان يخص ميتاً عزيزاً منديلاً، ساعة يد، صورة باهتة. أو قل هي عملة قديمة، سقطت من جيب الزمن، فالتقطها الكاتب لكي يحكي لنا عن الأيدي التي لمستها، والقلوب التي خبأتها، والأمنيات التي صُكت على معدنها وعداً مؤجلاً بالسعادة.
ينبت السرد عند شريف عبد المجيد من تربة صناعية، كما تنبت الحشائش البرية بين شقوق الإسمنت في مدينة لا ترحم. إنها لغة تسير على حبل مشدود بين ضفتين ضفة العامية المصرية الدافئة كرغيف يخرج من فرن بلدي في الصباح، وضفة الفصحى الأنيقة المتأملة كضوء قمر على سطح نيل قديم. 
وهذه الازدواجية اللغوية ليست بحثاً عن بريق أسلوبي زائف، هي تجسيد عضوي لذلك التمزق الإنساني الذي يعيشه إنسان هذه المدينة؛ الإنسان الذي يمشي بجسده في الحاضر ورأسه مثقل بأطياف الماضي، أو الذي يتكلم لغة الشارع ويحلم بلغة النجوم. اللغة هنا لا تصف العالم من خارجه، هي العالم ذاته وهو يتشقق. هي ذاك الضوء الخافت المتسلل من شقوق غرفة مواربة، لا لكي يكشف ما في الغرفة، ليكشف الشق نفسه، ويجعل من الجرح نافذة، ومن الكسر رؤية، ومن العجز عن الكمال جمالاً لا يدعي شيئاً.
دوائر الذاكرة وعمارة النسيان
وما إن تدخل معمار المجموعة السردي، حتى تكتشف أن الكاتب لم يرص قصصه كحصى متجاور، نسجها كخيوط عنكبوت دقيقة، كل خيط مشدود إلى المركز، وكل قصة عودة إلى البداية ولكن من باب خلفي لم تره من قبل. إنه بناء دائري، أو قل لولبي، يشبه تلك السلالم الحجرية في المآذن القديمة؛ تصعد فتظن أنك تبتعد عن الأرض، ثم تكتشف أنك عدت إلى النقطة ذاتها ولكن من طبقة أعلى، تحمل معك تعب الصعود وفهم الصاعد. 
هذه الدائرية ،في تقديري، ليست حيلة شكلية، هي استعارة كبرى لطبيعة الوعي الإنساني الذي لا يسير في خط مستقيم نحو النسيان كما توهمنا حداثة باردة، يدور في فلك آلامه وذكرياته كفراشة عمياء حول مصباح، يعود إليها لا ليجترّها، ليستخرج منها، في كل عودة، معنى لم يكن قد نضج بعد، طبقة دلالة كانت مخبوءة تنتظر من يزيح عنها غبار الأيام.
الجوهر والهشاشة
وفي قلب هذا العالم تقف قصة "جامع العملات القديمة" كأنها مفتاح مصنوع من ذهب خالص، أو قل كأنها الروح التي تسكن جسد المجموعة. هنا يتحول السرد ذاته إلى فعل جمع، إلى يد تمتد لتلتقط ما أهمله الآخرون؛ العملات المعدنية التي خرجت من سوق التداول، والتي لم يعد لها ثمن في دفاتر الاقتصاد، لكنها، تحت ضوء الكتابة، تشرق فجأة بأسرارها، وتتحول إلى كائنات حية، إلى شهود على حيوات انقضت، وإلى أوعية صغيرة تحمل زمناً مكثفاً ورائحة أصابع غائبة. وعندما يكتشف البطل، في لحظة تنوير لا تشبه الكشوف الكبرى، تشبه همسة داخلية، أن القيمة الحقيقية تكمن في الحكاية التي يحملها، فإنه يعلن، من حيث لا يدري، بياناً سردياً ثورياً عن مهمة الأدب في زمن النسيان الكبير؛ مهمة لا تقوم على بناء قصور من الكلمات، تقوم على إنقاذ العشش الخشبية، على جمع الكسر، على تحويل الهشاشة ذاتها من وصمة نخفيها إلى ميتافيزيقا للبقاء، إلى احتفاء غامض وحزين بما هو قابل للانكسار، لأن ما ينكسر كان حياً، وما كان حياً يستحق أن يُروى.
ثيمات كأصابع يد واحدة مرتعشة
من هذه النواة، تتفرع خيوط الثيمات كأصابع يد واحدة مرتعشة تحاول الإمساك بالوجود:
1. هشاشة المكان: نجدها في صورة كابوسية حيث مقابر الموتى، ذلك الفضاء الذي كنا نعتقد أنه آخر معاقل السكون والأبدية، تواجه جحافل التطوير العمراني. حتى الموتى، في هذا المتخيل، لم يعودوا في مأمن من طوفان المحو. تتحول المقبرة من فضاء للصمت الأبدي إلى أرشيف حي مهدد بالاندثار، وإلى استعارة موجعة عن ذاك الإحساس العميق بانكسار العلاقة بين الإنسان وتاريخه المكاني، حيث تغدو الجذور شيئاً قابلاً للاقتلاع.
2. هشاشة العقل: تبلغ ذروتها المأساوية في قصة "غرفة 82"، حيث نكتشف، بدهشة الألم، أن الجنون يمكن أن يُختار، وأن يكون ملاذاً للعقل المضطهد. المفارقة المؤلمة التي يبنيها النص بدقة هي أن المصحة العقلية، التي يفترض أنها فضاء الإقصاء والسلب، تتحول إلى فضاء للتحرر الحقيقي الوحيد المتبقي، بينما يتحول العالم الخارجي، عالم العقلاء، إلى سجن كبير وبارد للفكر والإبداع والشعور. وهنا تتحطم المفاهيم التقليدية للعقلانية والحرية على صخرة واقع اجتماعي قاهر.
3. هشاشة الحقيقة وقناع الساحر: في "مشاهد من حياة الساحر القديم"، تتحول الخدعة السحرية إلى استعارة كونية للحياة برمتها. الحياة ذاتها سحر هش، خدعة ضخمة نتفق عليها، ونحن فيها جمهور وسحرة في آن، نرتدي أقنعة الكفاءة والبراعة لنخفي خلفها انكساراتنا الخاصة. الساحر، بكذبه الفني المعلن والمتقن، يصبح أصدق منا أحياناً، لأنه يعترف بالوهم، بينما نغرق نحن في أوهامنا دون أن نعترف بها، في حياة يومية مليئة بالصدق المزيف والادعاءات الرخيصة.
4. بطولة التفاصيل الصامتة: في قصص مثل "نصف ابتسامة" و"حكيم"، تنحاز المجموعة انحيازاً أخلاقياً وجمالياً إلى ما لا يرى، إلى البطولة غير المنظورة. الصمود في وجه "قسوة التفاصيل الصغيرة" – تلك التفاصيل التي قد تكون تافهة كمفقودات سوق عتيق، أو موجعة كانكسار وعد – يصبح شكلاً من مقاومة الوجود نفسه. إنها إضاءة على الجمال المتربع في زوايا الحياة المهملة، واعتراف بالكرامة الكامنة في الصبر اليومي على هشاشتنا.
5. هشاشة المثقف وسوق الكلمة: في "حكاية أمين مكتبة" و"حفل توقيع"، يتأمل النص، بمرارة ناعمة، مصير المعرفة في العصر الرقمي. الكتاب يتحول من مصدر للمعنى وسراج للروح إلى سلعة في سوق الاستهلاك، وحفل التوقيع يصير طقساً مر المذاق يكشف عن العلاقة المضطربة بين الكاتب الذي يرتجف خوفاً من النسيان، والقارئ الذي يبحث عن أثر لإصبعه في عالم بلا أبعاد. إنه مجاز عن الشرخ العميق بين الرغبة الإنسانية في الخلود الفكري وبين إمكانياته في زمن التلاشي السريع.
الصورة والزمن السائل
يقيم شريف عبد المجيد عالمه السردي على صور شعرية تأتي كتأسيس لوجود كامل، لا كزينة بلاغية فارغة. فعندما يقول "المقابر أرشيفات حية"، أو "الجسد في الساونا يذوب لتنكشف النفوس"، فهو يخلق واقعاً موازياً أكثر كثافة وجوهرية، واقعاً يرى ما وراء الجلد والحجر، يرى الذاكرة ككيان حي، والروح كمادة قابلة للتجلي تحت الحرارة. أما الزمن، فيفقد خطيته المستقيمة، ليصبح كياناً سائلاً، ماء راكداً تعكس صفحته وجوه الماضي وأشباح المستقبل في آن واحد. الماضي يخترق الحاضر من خلال العملات وأسرار الموتى، والمستقبل الرقمي يلوح كخطر النسيان الدائم. وهذا التداخل مرآة دقيقة لحالة الوعي المعاصر الذي لم يعد يعيش زمناً واحداً، أزمنة متعددة متشابكة في اللحظة ذاتها.
وفي الختام، لا يمنحنا شريف عبد المجيد إجابة مطمئنة، ولا يعدنا بخلاص، بل يتركنا مع همسة وجودية عميقة: "القيمة الحقيقية لا تكمن أبداً في سوق البيع والشراء، وإنما في ذاكرة القلب". إنه، سرد مرن وتأملي ودائري، يحفر في وعينا الجمعي ويكتشف أن ما نسميه هشاشة قد يكون الجوهر الوحيد، جوهر إنسانيتنا الجميل والخائف والمعرض للكسر في أية لحظة. 
و"جامع العملات القديمة" هي، في المحصلة الأخيرة، محاولة أدبية جريئة لقلب المعادلة، فالهشاشة ليست عيباً يجب إخفاؤه، هي الكنز الوحيد الذي نملكه في وجه عواصف المحو. وهي تثبت أن السرد الرفيع يمكن أن يكون فعل إنقاذ أخير للذاكرة الإنسانية، ولو كان هذا الإنقاذ هشاً خافتاً معرضاً للكسر، مثل قطعة خزف ثمينة يحملها القلب في يديه المرتعشتين عبر زمن لا يرحم.