فتاوى وأحكام
حكم تعليق ملصقات الأذكار في الأماكن العامة
هل يشترط التدبر عند ترديد الأذكار وحكم التسبيح دون تحريك الفم ؟
حكم الصلاة على النبي عند البيع والشراء
هل قراءة الفاتحة تلزم البائع بعدم التصرف في السلعة؟
نشر "صدى البلد" على مدار الساعات الماضية، عددا من الفتاوى التي تشغل الأذهان والتي بينت حكمها الشرعي دار الإفتاء ، وغيرها من الفتاوى التي يتساءل عنها كثيرون، نعرضها لكم في السطور التالية.
في البداية، أوضحت دار الإفتاء المصرية الحكم الشرعي بشأن تعليق أوراق وملصقات الأذكار في الأماكن العامة، وذلك ردًا على سؤال تلقته حول مدى مشروعية طباعة بعض الأذكار ووضعها في أماكن يكثر تردد الناس عليها، بهدف تذكيرهم بذكر الله تعالى، في ظل اعتراض البعض على هذه الفكرة خشية أن يتعرض ما يتضمن اسم الله تعالى للامتهان.
وأكدت دار الإفتاء أن وضع ملصقات الأذكار في الأماكن العامة جائز من حيث الأصل، بشرط توافر عدد من الضوابط التي تضمن احترام ما كُتب عليها، وفي مقدمتها الحفاظ بصورة لائقة على كل ما يتضمن اسم الله تعالى، إلى جانب التنسيق مع الجهات المختصة والمسؤولة عن المكان الذي ستوضع فيه هذه الملصقات.
وشددت دار الإفتاء كذلك على ضرورة الالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة للأماكن العامة، موضحة أن تعليق الأذكار لا يكون جائزًا إذا لم تتوافر هذه الضوابط، أو كان وضعها يؤدي إلى احتمال امتهانها أو مخالفة الأنظمة المعمول بها في المكان.
دار الإفتاء توضح ضوابط تعليق الأذكار، وأشارت دار الإفتاء إلى أنه لا يصح تجاوز الضوابط المتعلقة بحفظ ما يتضمن اسم الله تعالى أو مخالفة الجهات المسؤولة والقواعد المنظمة، بحجة أن تعليق هذه الأوراق يمثل وسيلة للدعوة إلى الله وتذكير الناس بالأذكار.
وأوضحت أن الدعوة إلى ذكر الله ليست مقصورة على تعليق الملصقات، خاصة مع وجود العديد من الوسائل الأخرى التي يمكن من خلالها تذكير الناس بفضل الذكر دون تعريض الكلمات المكتوبة إلى الامتهان، أو التسبب في التعدي على اختصاص الجهات المسؤولة عن الأماكن العامة، أو مخالفة القوانين واللوائح المنظمة لها.
فضل ذكر الله في القرآن الكريم، وأكدت دار الإفتاء أن ذكر الله تعالى من العبادات العظيمة التي ورد الحث عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية، لما لها من فضل كبير وأجر عظيم ونفع واسع للإنسان.
وأشارت إلى أن الله سبحانه وتعالى أثنى على الرجال والنساء الذين يكثرون من ذكره، فقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].
كما حث الله تعالى المؤمنين على الإكثار من الذكر والتسبيح، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42].
أوضح الشيخ أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، حكم التسبيح والذكر دون تحريك الشفتين، مؤكدًا أن الذكر بالقلب مشروع ويثاب عليه المسلم، إلا أن هناك أنواعًا من العبادات القولية التي لا تتحقق بمجرد استحضارها في القلب، وإنما يشترط فيها النطق وتحريك اللسان.
وقال أمين الفتوى إن الذكر له صور متعددة، منها ما يكون بالقلب ومنها ما يكون باللسان، مشيرًا إلى أن أكمل صور الذكر وأفضلها أن يجتمع حضور القلب مع النطق باللسان، بحيث لا يقتصر المسلم على ترديد الكلمات دون استشعار معانيها.
وأضاف أن هناك أذكارًا وقراءات تدخل ضمن العبادات التي اشترط الشرع أداءها باللسان، ومن بينها قراءة الفاتحة في الصلاة وتكبيرة الإحرام وأذكار الصلاة، موضحًا أن استحضار هذه الألفاظ في القلب وحده لا يكفي لأدائها على الوجه المطلوب شرعًا.
وأكد ممدوح أن قراءة الفاتحة، على سبيل المثال، تستلزم النطق بها وتحريك الشفتين، ولا يصح أن يكتفي المصلي بتمرير كلماتها في ذهنه دون التلفظ بها، لأن المقصود هنا عبادة قولية لها كيفية محددة في أدائها.
وأشار إلى أن الذكر القلبي في حد ذاته عمل مستحب يؤجر عليه الإنسان، لافتًا إلى أن الإمام النووي أكد أن أفضل الذكر هو الذي يجتمع فيه عمل القلب مع حركة اللسان، إذ يكون الذاكر في هذه الحالة مستحضرًا لعظمة الله وفي الوقت نفسه ينطق بالذكر.
هل يؤجر المسلم على الذكر أثناء العمل؟، وفي سياق متصل، تناول الشيخ أبو بكر الشافعي، من علماء الأزهر الشريف، مسألة الذكر أثناء أداء العمل مع عدم الانتباه الكامل إلى ألفاظ الذكر ومعانيه، موضحًا أن المسلم يحصل على الثواب، وإن كان أجر الذكر مع التدبر واستحضار المعاني أكمل وأعظم.
وبيّن أن مسألة قبول العبادة من الأمور الغيبية التي لا يستطيع أحد الجزم بها، وإنما يعلم حقيقتها الله سبحانه وتعالى، إلا أن الذكر باللسان يظل من الأعمال التي يؤجر عليها المسلم حتى إذا لم يكن حاضر القلب بصورة كاملة.
وأوضح أن الأصل والأفضل أن يجمع المسلم بين اللسان والقلب أثناء الذكر، فيتدبر ما يقول ويستشعر عظمة الله تعالى ومعاني الكلمات التي يرددها، لأن اجتماع القلب واللسان يجعل الذكر أكمل ويزيد من ثوابه.
وأضاف أن مرور الذكر على اللسان مع وجود قدر من الغفلة لا يعني انعدام الأجر، مشيرًا إلى ما نقله ابن حجر في «فتح الباري» عن الغزالي من أن تحريك اللسان بالذكر مع غفلة القلب يحقق الثواب، وأنه خير من استخدام اللسان في الغيبة، بل خير من السكوت المجرد عن التفكر.
وأوضح أن هذا النوع من الذكر لا يساوي في مرتبته الذكر الذي يصاحبه حضور القلب وتدبر المعاني، لكنه يظل عملًا صالحًا له أجره، لأن حركة اللسان بذكر الله خير من توجيهه إلى ما لا ينفع.
اجابت دار الإفتاء المصرية، عن سؤال ورد اليها مضمونة:"ما حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند البيع والشراء؟ وهل ذلك يُعدُّ من البدعة ؟".
لترد دار الإفتاء موضحة: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند البيع والشراء أمر مشروع، يثاب عليه فاعله؛ ما دام أن نيته هي ابتغاء رضوان الله تعالى وتحصيل أجر فضل الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وزيادة الرزق والبركة، والقول بأن ذلك بدعة هو ابتداعٌ في الدين بتضييق ما وسَّعه الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
أما إن كان البائع يفعل ذلك عبثًا أو بغرض شهرة المبيع، وجذب الأنظار، وبيع الأشياء الرديئة؛ فهو مكروه كراهة تحريمية؛ لكونه يُشعِر بعدم التوقير والاحترام للجناب النبوي العظيم.
فضل الصلاة على سيدنا النبي عليه السلام، من المعلوم أنَّ الصلاة على النبي المختار سيد الأنام، سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أفضل الأعمال وأعظم القربات والطاعات، أمر بها المولى عزَّ وجلَّ؛ فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، وحضَّ عليها رسوله الكريم فقال عليه أفضل الصلاة والتسليم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا» رواه أصحاب "السنن" الأربعة، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «البَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» رواه الإمام الترمذي في "سننه".
وجاء في حديث الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللهَ، اذْكُرُوا اللهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ» قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلاَةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاَتِي؟ «فَقَالَ: مَا شِئْتَ» قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، «قَالَ: مَا شِئْتَ؛ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: النِّصْفَ، «قَالَ: مَا شِئْتَ؛ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، «قَالَ: مَا شِئْتَ؛ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلاَتِي كُلَّهَا، «قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» رواه الإمام الترمذي في "سننه".
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الواردة في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي يطول المقال لذكرها؛ وما ذلك إلا من أنها أجلُّ العبادات وأعظم الوسائل لغفران الذنوب، وقبول الدعاء والحاجات؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: "إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ" أخرجه الإمام الترمذي في "السنن".
وقال سهل بن عبد الله: "الصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل العبادات؛ لأن الله تعالى تولّاها هو وملائكته، ثم أمر بها المؤمنين، وسائر العبادات ليس كذلك".
وقال أبو سليمان الداراني: "من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يسأل الله حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن الله تعالى يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يردّ ما بينهما". ذكرهما الإمام القرطبي في "تفسيره" (14/ 235، ط. دار الكتب المصرية).
حكم الصلاة على النبي عليه السلام عند البيع والشراء، لا خلاف بين أهل العلم في أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرضٌ في العمر مرة، وسنة مؤكدة في كل حين، لا يسعُ المسلم تركها، ولا يَغفُلُهَا إلا مَن لا خير فيه. ينظر: "تفسير القرطبي" (14 /232-233).
والصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم عند البيع والشراء أمر مشروع حسن؛ داخل في عموم الأمر المطلق بالصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم؛ ومن المقرر أنَّ "المطلق يقتضي عموم الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال"، فلا يجوز تقييد هذا الإطلاق إلا بدليل، وإلا كان ذلك ابتداعًا في الدين بتضييق ما وسَّعه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وبالإضافة إلى ما نص عليه الفقهاء من مشروعية الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع مخصوصة، منها البيع والشراء؛ قال العلامة المغربي (ت: 1119هـ) في "البدر التمام شرح بلوغ المرام" (10/ 394-403، ط. هجر): [تشرع الصَّلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم في أمور مخصوصة، وهي ستة وأربعون.. الخامس عشر: عند عقد البيع؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلّ أَمرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبدَأ فِيهِ بِحَمْدِ الله والصلاة عَلَيّ فَهُوَ أَقْطَعُ مَمْحُوقٌ مِن كُلّ بَرَكَةٍ»] اهـ.
وقال الحافظ السخاوي في "القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع" (ص: 215، ط. دار الريان للتراث): [(الصلاة عليه عند عقد البيع) وأما الصلاة عليه عند عقد البيع، فقد قال الأردبيلي في "الأنوار" أنه لو قال المشتري بسم الله والحمد لله والصلاة على رسول الله قبلتُ البيع صح، قال: لأن المضر ما ليس من مصالح العقد ولا من مقتضياته ولا من مستحباته، قلت: وهو حسن، ومع ذلك فلا دليل على استحباب الصلاة عند البيع] اهـ. فأفاد ذلك أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند البيع والشراء مشروعة حسنة غير بدعة كما يدعي البعض.
وهذه المشروعية مقيدة بأن يكون ذلك بقصد العبادة واحتساب الأجر وجزيل الثواب، أما إن كان ذلك يُفعل عبثًا أو بغرض شهرة المبيع، وجذب الأنظار، وبيع الأشياء الرديئة؛ فهو مكروه كراهة تحريمية؛ لكونه يُشعِر بعدم التوقير والاحترام للجناب النبوي العظيم.
قال العلامة ابن مازه الحنفي في "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" (5 /310، ط. دار الكتب العلمية): [كمن جاء إلى آخر يشتري منه ثوبًا، فلما فتح التاجر الثوب سبح الله تعالى، أو صلى على النبي عليه السلام؛ أراد به إعلام المشتري جودة ثوبه وذلك مكروه، فهذا كذلك، حارس يقول: لا إله إلا الله، أو قال فقاعي عند فتح الفقاع: لا إله إلا الله، أو قال: صلى الله على محمد؛ يأثم؛ لأنه يأخذ لذلك ثمنًا بخلاف العالم إذا قال في مجلس العلم: صلوا على النبي، أو قال الغازي للقوم: كبروا، حيث يثاب] اهـ.
وقال العلامة الموصلي الحنفي في "الاختيار لتعليل المختار" (4/ 179، ط. مطبعة الحلبي): [(ويكره فعله للتاجر عند فتح متاعه)، وكذلك الفقاعي عند فتح الفقاع يقول: لا إله إلا الله صلى الله على محمد فإنه يأثم بذلك لأنه يأخذ لذلك ثمنًا، بخلاف الغازي أو العالم إذا كبر عند المبارزة وفي مجلس العلم لأنه يقصد به التفخيم والتعظيم وإشعار شعائر الدين] اهـ.
وقال العلامة الحصكفي في "الدر المختار" ومعه "حاشية ابن عابدين" (1/ 518، ط. دار الفكر): [وحرامًا عند فتح التاجر متاعه ونحوه] اهـ.
قال العلامة ابن عابدين محشِّيًا عليه: [(قوله وحرامًا إلخ) الظاهر أن المراد به كراهة التحريم، لما في كراهية "الفتاوى الهندية": إذا فتح التاجر الثوب فسبَّح الله تعالى أو صلَّى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد به إعلام المشتري جودة ثوبه فذلك مكروه. وكذا الحارس لأن يأخذ لذلك ثمنًا، وكذا الفقاعي إذا قال ذلك عند فتح فقاعة على قصد ترويجه وتحسينه يأثم.. اهـ] اهـ.
وقال العلامة ابن الحاج المالكي في "المدخل" (4 /100، ط. دار التراث): [وبعضهم تكون سلعته رديئة فيمدحها ويثني عليها.. وبعضهم يزيد على ذلك فيصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين ندائه على سلعته وبيعها وشرائها] اهـ.
وجاء في "مواهب الجليل" للعلامة الحطاب (1 /18-19، ط. دار الفكر): [(فرع) ذكر ابن ناجي في شرح "المدونة" في كتاب الذبائح أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكره عند الذبح وعند العطاس والجماع والعثرة والتعجب وشهرة المبيع وحاجة الإنسان، وذكرها الشيخ يوسف بن عمر إلا شهرة المبيع وذكر بدله عند الأكل.. قال الشيخ أبو عبد الله محمد الرصاع: لما ذكر شهرة البيع، ويلحق هذا عندي ما يصدر من العامة في الأعراس وغيرها، فإنهم يشهرون أفعالهم للنظر إليها بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع زيادة عدم الوقار والاحترام بل بضحك وبلعب] اهـ.
ويظهر من هذه النصوص أن مناط المنع الذي قرره الفقهاء في خصوص الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند البيع والشراء دائر مع القصد؛ فيمنع إذا صحبه ما يُشعِر بضد توقير الجناب النبوي الشريف وإجلال مقامه المنيف، من جعل الصلاة على النبي تكأةً للترويج والتدليل على جودة السلع، أما إن جرى اللسان بالصلاة على النبي عند البيع أو الشراء بقصد الذكر والتفاؤل ورجاء البركة واحتساب الأجر الجزيل فلا محل حينئذٍ للقول بالكراهة، بل يتوجه القول بالاستحباب؛ لما تقرر أن "الأمور بمقاصدها".
قال الإمام سحنون المالكي في "العتبية" في المواضع التي يشرع فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: [ولا يصلى عليه إلا في موضع احتساب أو رجاء ثواب] ينظر: "مواهب الجليل" للعلامة الحطاب (1/ 19).
وهو ممَّا أورده العلامة ابن نجيم الحنفي في "الأشباه والنظائر" (ص:23، ط. دار الكتب العلمية) في سياق نظائر وتطبيقات هذه القاعدة المقاصدية.
فإذا انضاف إلى ذلك قصد البائع أو المشتري إحداث حالة يلفت فيها نظر المستمعين له إلى أن تلهج ألسنتهم أيضًا بالصلاة على النبي؛ فيؤجر على ذلك من حيث فضيلة الذكر في السوق ومواضعِ الازدحام بين الغافلين؛ ولا يخفى ما في ذلك من تحصيل الأجر وكسب الثواب، وإن لم يحصل بيع أو شراء.
وقد جرى فعل المصريين منذ أمدٍ بعيدٍ على ذكر الله تعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند بيعهم وشرائهم، مبتغين في ذلك رضوان الله سبحانه وفضل الصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يتمّ البيع والشراء؛ قال إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي في "الخواطر" (17/ 10281، ط. مطابع أخبار اليوم) عند تفسير قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37]: [وقد كنا في الصِّغَر نسمع في الأسواق بين البائع والمشتري، يقول أحدهما للآخر: وحِّد الله، صَلِّ على النبي، مدَّح النبي، بالصلاة على النبي، كل هذه العبارات انقرضت الآن من الأسواق والتعاملات التجارية وحَلَّ محلَّها قيم وعبارات أخرى تعتمد على العَرْض والإعلان، بل الغش والتدليس. ولم نَعُدْ نسمع هذه العبارات، حتى إذا لم يتم البيع كنت تسمع البائع يقول: كسبنا الصلاة على النبي، فهي في حَدِّ ذاتها مكسب حتى لو لم يتم البيع] اهـ.
قال الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء، إن معاملات بيع وشراء العقارات والممتلكات لا بد أن تستند إلى عقود رسمية موثقة تثبت انتقال الملكية، موضحًا أن قراءة سورة الفاتحة بين الطرفين قبل إتمام البيع لا تعد عقدًا ملزمًا، وإنما تعبر عن وجود نية لإتمام التعامل.
جاء ذلك ردًا على سؤال من أحد المواطنين ، الذي أوضح خلاله أنه اشترى منزلًا من مالكه دون تحرير عقد، واكتفى الطرفان بقراءة الفاتحة، قبل أن يفاجأ بقيام صاحب المنزل ببيعه إلى شخص آخر، متسائلًا عن موقفه الشرعي من ملكية المنزل بعد ذلك.
وأوضح أمين الفتوى أن المنزل لا يصبح مملوكًا للمشتري الأول في هذه الحالة، طالما لم يتم تحرير العقود والإثباتات التي توثق عملية البيع، مشيرًا إلى أن قراءة الفاتحة لا تقوم مقام الإجراءات الرسمية اللازمة لإثبات الملكية، وبالتالي تكون ملكية المنزل للمشتري الثاني الذي أتم عملية الشراء وفق الإجراءات المطلوبة.
ونصح الشيخ عويضة عثمان صاحب السؤال بقبول قضاء الله تعالى، مع ضرورة الحرص مستقبلًا على اتخاذ الإجراءات القانونية والموثقة عند إجراء أي عملية بيع أو شراء، وعدم الاكتفاء بالاتفاق الشفهي أو قراءة الفاتحة باعتبارها دليلًا على إتمام المعاملة.
ما حكم العربون عند فسخ عقد البيع؟، وفي مسألة أخرى تتعلق بالمعاملات المالية، ورد سؤال إلى الدكتور مجدي عاشور، المستشار السابق لمفتي الجمهورية، بشأن شخص تعاقد على شراء قطعة أرض مبانٍ، ودفع للبائع مبلغًا مقدمًا باعتباره عربونًا، على أن يسدد باقي قيمة الأرض على أقساط بعد استلامها، لكنه لم يتمكن من سداد بقية الأقساط، فقام بفسخ عقد البيع، بينما رفض البائع إعادة مبلغ العربون، فاستفسر عن الحكم الشرعي في هذه الحالة.
وأوضح مجدي عاشور، خلال برنامجه الإذاعي «دقيقة فقهية»، أن العربون في صورته المعروفة هو مبلغ يدفعه المشتري مقدمًا عند الاتفاق على شراء سلعة أو عقار، على أن يتم احتساب هذا المبلغ من إجمالي الثمن إذا اكتمل البيع، أما إذا لم يتم إتمام العقد فيكون العربون للبائع وفق الصورة محل الاتفاق.
وأشار إلى أن هذه المعاملة تُعرف في كتب الفقه باسم «بيع العربون»، وقد اختلف الفقهاء حول حكمها، موضحًا أن جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية ذهبوا إلى عدم صحة هذا النوع من البيع، واستندوا في ذلك إلى ما ورد من نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع العربان، باعتبار أن البائع في حال حصوله على العربون دون إتمام البيع يكون قد حصل على مال من المشتري دون مقابل.
وبيّن عاشور أن فقهاء المالكية ذكروا استثناءً من هذه الصورة، وذلك عندما يشترط المشتري أن يُحتسب مبلغ العربون من الثمن إذا اكتمل البيع، وأن يتمكن من استرداده إذا لم يتم العقد.