تحول الدولار الأمريكي بشكل فج من مجرد عملة تبادل إلى أداة نفوذ سياسي بامتياز فبحكم كونه العملة الأساسية في الاحتياطيات النقدية للبنوك المركزية حول العالم، وكذلك في التسويات التجارية والمالية بين الدول، أصبح أي اقتصاد يرتبط بمنظومة “السويفت” أو بالتعاملات الدولارية عرضة لأن يتحول هذا الارتباط من نعمة إلى نقمة با وكارثة ، فالدولة التي لا تسير وفق أهواء ما تريده واشنطن، تجد نفسها فجأة أمام تجميد أصول، أو حظر تحويلات، أو استبعاد من المنظومة المصرفية الدولية او في ضيق مالي لا تدعمه اي منظومة بنكية.
بهذا المعنى، لم يعد الدولار مجرد أداة تبادل اقتصادية محايدة، بل تحول إلى سلاح سياسي يُشهر في وجه أي دولة تخرج عن الخط الأمريكي، بصرف النظر عن مشروعية موقفها أو حقها السيادي في القرار بل فقط ما تريده امريكا ، وهنا تكون العقوبات الاقتصادية بين الشرعية الدولية والتفرد الأمريكي
ولكن من الناحية القانونية، فإن “العقوبات الاقتصادية” مصطلح له إطار محدد ضمن ميثاق الأمم المتحدة، إذ تُعد من أدوات الفصل السابع التي يملك مجلس الأمن الدولي وحده صلاحية تفعيلها، وتلك كخطوة تسبق أو تحل محل الخيار العسكري في مواجهة دولة معتدية تهدد السلم والأمن الدوليين.
والأصل أن تطبيق هذه العقوبات يمر عبر مشاورات وموافقة أعضاء مجلس الأمن، ولا يجوز لأي طرف منفرد أن يفرضها أو ينفذها خارج مظلة الشرعية الأممية. غير أن الممارسة الأمريكية على مدى السنوات الأخيرة كسرت هذه القاعدة مرارًا، حين فرضت واشنطن عقوبات أحادية على دول بعينها ومن بينها إيران وكوبا وكوريا الشمالية و روسيا وبيلاروسيا دون غطاء أممي، مستندة فقط إلى قوانينها الداخلية وقدرتها على التحكم في النظام المالي العالمي القائم على الدولار. وهنا يكمن جوهر الإشكال وهو تحويل أداة اقتصادية قانونية دولية جماعية وثق العالم بها من عقود إلى سلاح سياسي فردي تظهره امريكا في وجه من لا ينفذ ارادتها .
في المقابل، ما زال الإيرانيين يقابلوا كل التصريحات الأمريكية المتصاعدة – سواء من الرئيس الأمريكي، أو نائبه، أو وزير الدفاع، أو وزير الخزانة – بندية واضحة، بل ورفض للشروط الأمريكية التي تراها طهران تعجيزية وغير قابلة للتفاوض. هذا التصلب المتبادل بين الطرفين لم يعد مجرد سجال دبلوماسي أو حرب تصريحات، بل انعكس على أرض الواقع في هيئة اعتداءات وتخريب طالت ناقلات النفط والسلع العابرة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم. ومع استمرار الرد الأمريكي بضرب سفن إيرانية، يبدو أن الطرفين دخلا في حلقة غير مفرغه من تصعيد متبادل لا تلوح له نهاية قريبة، بل يزداد أمد الأزمة واستطالتها كلما تمسك كل طرف بموقفه دون أفق واضح للتهدئة.
لكن المفارقة الأخطر أن المتضرر الأول من هذا الصراع لم يعد إيران وحدها ، بل انتقل الضرر الي اقتصاد العالم بأسره. فعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط لم يعد محصورًا في بؤرة جغرافية واحدة، بل تحول إلى “حرب متنقلة” تطال الممرات الحيوية للتجارة الدولية. فقد امتدت رقعة التوتر من مضيق هرمز إلى باب المندب، مع دخول جماعة الحوثيين – الحليف الإيراني في اليمن – على خط الاستهداف عبر ضرب سفن سعودية في مسار البحر الأحمر. هذا التوسع في دائرة الاستهداف أدى إلى تعطل فعلي في سلاسل إمداد النفط والغاز عبر أحد أهم شريانين بحريين في العالم في آن واحد، وهو ما انعكس مباشرة على المعروض العالمي من الطاقة.
ارتفاع الأسعار وأزمة إعادة بناء المخزون الاستراتيجي
نتيجة لهذا الاضطراب في سلاسل الإمداد، اضطرت العديد من الاقتصادات إلى اللجوء إلى مخزوناتها الاستراتيجية من النفط والغاز لتعويض النقص، وهو حل مؤقت بطبيعته. لكن المعضلة الأكبر ظهرت عند محاولة إعادة تعويض هذه المخزونات، إذ تزامن ذلك مع دخول فصل الشتاء – وهو الموسم الذي ترتفع فيه الحاجة للطاقة عالميًا – مع توقيت شراء غير مواتٍ في ظل نقص المعروض أصلًا. هذا التزامن غير الموفق بين الحاجة الموسمية المتصاعدة وضيق الأسواق أدى إلى ضغط تصاعدي على الأسعار، وارتفاع ملموس في سعر برميل النفط، بما يحمله ذلك من تبعات تضخمية تطال كل الاقتصادات المستوردة للطاقة، من الدول الصناعية الكبرى إلى الاقتصادات الناشئة الأكثر هشاشة.
ويبدو ان كل هذه التطورات مجتمعة تكشف عن أزمة ثقة متصاعدة تجاه النظام النقدي الدولي القائم على هيمنة الدولار. فاستخدام واشنطن لهذه الهيمنة كأداة عقابية تُفعّلها وفق مصالحها السياسية، وخارج الأطر الشرعية للقانون الدولي، جعل كثيرًا من الدول تعيد حساباتها بشأن مدى أمان استمرار اعتمادها على الدولار في احتياطياتها وتعاملاتها. فحين تتحول العملة التي يُفترض أن تكون محايدة إلى أداة ضغط أحادية الجانب، تفقد الثقة العالمية في عدالة النظام، ويبدأ البحث الجاد عن بدائل، سواء عبر تعزيز التعاملات بالعملات المحلية بين الدول، أو تنويع الاحتياطيات النقدية، أو تطوير أنظمة تسوية مالية بديلة بعيدًا عن المظلة الأمريكية مثال بريكس او العودة الي سلعه الذهب في المعاملات ، وبقدر ما تبدو هذه التحولات بطيئة ومعقدة، إلا أن مسارها يبدو واضحًا نحو عالم يتجه شيئًا فشيئًا نحو كسر احتكار عملة واحدة، ورفض تام لسياسة توظيف العقوبات الاقتصادية كأداة نفوذ فردية بعيدًا عن مظلة الشرعية الدولية.
ويظهر هنا إن استمرار حرب العناد بين واشنطن وطهران، بكل ما تحمله من تصعيد عسكري واقتصادي، لم يعد شأنًا إقليميًا محصورًا بين طرفين، بل تحول إلى أزمة عالمية تطال أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وازمة ثقة اكبر لدي العالم في النظام المالي الدولي بأكمله. وإذا لم تُحتكم الأطراف في كل المسارات التفاوضية كي تصبح جادة تحت مظلة الشرعية الدولية، فإن الاقتصاد العالمي سيظل رهينة لصراع لا يبدو أن له أفقًا قريبًا للحل