أُقيمت ندوة مع صانع الأفلام السدير مسعود، في ماستر كلاس حمل عنوان «استكشاف كيفية قراءة المشهد وتشكيل لغته البصرية»، بدعم من جامعة ESLSCA، وتناول خلاله كيفية تعامل صُنّاع الأفلام مع المشاهد، وسبل بناء لغتهم البصرية وتطويرها، وذلك ضمن فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان ميدفست مصر.
وقال السدير مسعود ، إنه درس الإخراج في بيروت، ثم عمل في كل من بيروت ومصر، معربًا عن سعادته بالمشاركة في مهرجان ميدفست مصر، قبل أن يطرح سؤالًا حول ماهية الإخراج، موضحًا أن السؤال قد يبدو سهلًا، لكنه يحمل في جوهره إجابة صعبة، إذ يرى أن الإخراج يتمثل في جعل المشاهد يرى ما يريده المخرج أن يراه، وإخفاء ما يرغب في حجبه عنه.
وأضاف أنه جاء من عالم الإعلانات، الذي عمل فيه لمدة خمس سنوات، مؤكدًا أن الانتقال من الإعلانات إلى الدراما لم يكن سهلًا، خصوصًا أن المخرج يصبح مطالبًا بالالتزام بما هو مكتوب في السيناريو.
وأوضح أن موافقة المخرج الكاملة على النص أمر نادر، إذ تنشأ دائمًا حالة من التصادم، وقد يلجأ بعض المخرجين إلى إعادة صياغة العمل بالصورة الأقرب إلى رؤيتهم، مشيرًا إلى أن إحدى مهام المخرج الأساسية تتمثل في تشكيل المشروع بالطريقة التي تناسبه.
السدير مسعود يكشف أهمية المشاريع السينمائية
وتحدث السدير، عن أهمية اختيار المشاريع التي يشعر تجاهها بالشغف، قائلًا إنه يتجه دائمًا إلى الأعمال التي يحبها، لأنها المحرك الرئيسي الذي يدفعه إلى الاستيقاظ يوميًا والذهاب إلى التصوير. وأشار إلى تجربته في مسلسل «عين سحرية»، موضحًا أنه تمكن من معرفة الخطوط الرئيسية للعمل خلال أسبوعين، بينما تستغرق مشاريع أخرى وقتًا أطول، لافتًا إلى أن أول سؤال ينبغي أن يطرحه صانع المسلسل على نفسه هو: لماذا يصنع هذا العمل؟ مؤكدًا ضرورة أن يعرف المخرج مشروعه وشغفه وما يريد تقديمه من خلاله.
وأوضح أن معرفة المخرج لشغفه لا تعني رفضه العمل مع المنتجين طوال الوقت، قائلًا إن البعض قد يصفه بالغرور عندما يرفض مشروعًا، لكنهم لا يدركون أنه يبحث عن عمل يشبه روحه وشغفه، وليس مجرد فرصة للعمل.
وانتقل إلى الحديث عن علاقته بالممثلين، مؤكدًا أن بعضهم يمثلون شركاء حقيقيين في صناعة العمل، إذ يدركون مسؤولياتهم ومسؤوليات المخرج، الذي تقع على عاتقه مهمة إيصال الفكرة إلى الممثل حتى يتمكن من تجسيدها على الشاشة. كما أشار إلى أهمية العلاقة بين المخرج والكاتب، ودورها في الوصول إلى الصورة النهائية للمشروع.
واستعاد السدير تجربته في مسلسل «عين سحرية»، موضحًا أن فريق العمل كان يرغب في تناول موضوعي العدالة والقانون من خلال الشخصيات، ولذلك جرى اختيار مجموعة من الشباب بهدف الوصول إلى هذه الفئة من الجمهور، إلى جانب شخصية الفنان باسم سمرة، التي أرادوا أن تجذب المشاهدين من الفئة العمرية نفسها.
وأضاف أن أكثر ما حرك الجمهور تجاه المسلسل كان تناوله لفكرة الأبوة والعلاقة بين الأب والابن، باعتبارها إحساسًا إنسانيًا مشتركًا بين الجميع، موضحًا أن العمل قدم أبًا وابنًا يبحث كل منهما عن الآخر طوال الوقت، لكن العنصر الأهم في هذه العلاقة كان التضحية، وكيف يمكن للجيل الجديد أن يكمل الطريق.
وأشار إلى أن المخرج يدخل في نقاشات مستمرة مع الكاتب حول كيفية بناء المشاهد، ومبررات الشخصيات ودوافعها، مؤكدًا أن الكتابة تمثل أهم عوامل صناعة العمل الفني، لكنها، مع الأسف، لا تحصل على حقها الكافي من الاهتمام.
وقال السدير إنه لم يكن يفضل العمل خلال شهر رمضان، لكنه خاض هذه التجربة من خلال مسلسل «عين سحرية»، موضحًا أن العرض في هذا الموسم يتيح الوصول إلى شريحة أوسع من المشاهدين. واستعاد مقولة والده، الفنان غسان مسعود، الذي نصحه بألا يصنع فيلمًا لأصدقائه فقط، بل أن يقدمه لشريحة أكبر من الجمهور حتى يكون مستعدًا لتلقي الانتقادات.
وتحدث عن مراحل بناء المشهد، موضحًا أن رؤيته تبدأ في التبلور خلال جلساته مع مهندس الديكور، الذي يناقشه في تصوره للمشهد والديكور والزوايا. وأكد أن المخرج لا يتخيل المشروع بصورة مكتملة منذ البداية، بل يترك مساحة للعمل كي يتنفس ويتطور أثناء التنفيذ، مشيرًا إلى أنه قد يرسم مشهدًا بطريقة معينة، ثم يأتي الممثل ليقترح أداءه بصورة مختلفة لأنه لا يشعر بأن الطريقة الأولى تناسبه، وغالبًا ما يكون إحساس الممثل صادقًا في هذه الحالة.
وأوضح أن من عيوب تجربته أنه لم يعمل مساعد مخرج، ولذلك لم يتعلم بصورة مباشرة كيفية إدارة المراحل الإنتاجية، ومتى ينبغي للمخرج أن يتوقف أو يستمر. كما تحدث عن تجربته في مسلسل «موعد مع الماضي»، الذي استخدم فيه تقنيات إخراجية معينة، موضحًا أن بعض المشاهدين أحبوا هذه التقنيات، بينما رأى آخرون أنها نوع من الاستعراض الإخراجي، وهي عبارة لا يحبها.
وأضاف أنه عندما بدأ العمل على مسلسل «عين سحرية»، تخلى عن هذه التقنيات، ولم يجعل الكاميرا محور تفكيره، بل ركز على الممثل والمشهد، وهو ما ساعد العمل، من وجهة نظره، على الخروج بصورة أكثر صدقًا وتشابهًا مع الناس، مشيرًا إلى أن الجمهور لا يحب الكمال، في الوقت الذي يسعى فيه هو دائمًا إلى بلوغه.
وتطرق السدير إلى دور عناصر العمل المختلفة في تشكيل المشهد، موضحًا أن الإضاءة تمثل جزءًا أساسيًا من الرؤية البصرية، وأن بعض مصممي الإضاءة يقرأون النص بعناية ويقدمون إضافاتهم إلى المشاهد، فلا يحتاجون دائمًا إلى تدخلات المخرج، بل قد يرفضون بعض مقترحاته أحيانًا. وانتقل إلى الحديث عن الموسيقى، مشيرًا إلى أن بعض الموسيقيين يسألون المخرج عن الألوان والآلات الموسيقية التي يتخيلها للمشهد.
واستعاد حواره مع الموسيقار خالد الكمار، الذي سأله في بداية تعاونهما عن الأصوات التي يسمعها في العمل، فأجابه السدير بأنه يسمع صوت بكاء وقلق. ومن هنا بدأ الكمار في استخدام آلات موسيقية معينة، أشار السدير إلى أنه كان قد سمع إحداها في إسبانيا، ثم اكتشف أن جذورها تعود إلى مصر.
وقال السدير إنه لا يحب استخدام كلمة «التريند» في وصف الأعمال الفنية، لأنها، من وجهة نظره، تختزل قيمة الفن في مدى تداول العمل على منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أنه لا يهتم بهذا المفهوم، وإنما يفضل أن يحب الجمهور العمل أو يكرهه، وأن يتفاعل معه بصدق.
وضرب مثالًا بمسلسل «عين سحرية»، موضحًا أن المشاهدين اكتشفوا خطأً في الحلقة التاسعة، تمثل في نسيان تصوير إحدى اللقطات، رغم خروج الحلقة إلى العرض. وأشار إلى أن الجمهور لم يتجاهل الخطأ، بل تحدث عنه بكثافة، وهو ما أصابه بالحزن، وظل يفكر فيه حتى حاول معالجته في الحلقة الأخيرة، مؤكدًا أن المشاهد ذكي للغاية وينتبه إلى التفاصيل.
وانتقل إلى الحديث عن التمثيل، مؤكدًا أن ردود الأفعال قد تكون أهم من الحوار في بعض المشاهد، لأن جميع الممثلين لا يمتلكون القدرة نفسها على تقديم الإحساس المطلوب. واستشهد بمشهد في «عين سحرية» يدخل فيه عادل، الذي يجسد شخصيته الفنان عصام عمر، ليتحدث عن أزمته المتعلقة بوالدته، بينما لا يملك باسم سمرة حوارًا في المشهد.
وأوضح أنه طلب من باسم سمرة أن يتعامل مع ما يقوله عادل باعتباره انعكاسًا لعلاقته الشخصية بابنته، حتى يتمكن من نقل هذا الإحساس إلى الجمهور من خلال رد فعل صادق. وأكد أن الممثل هو الأداة الأهم التي يستطيع المخرج من خلالها إيصال إحساسه الحقيقي إلى الناس.
كما استعاد السدير جملة سمعها من المخرج الراحل حاتم علي، مفادها أنه إذا لم يستطع الممثل تقديم إحساس معين، فيمكن للمخرج أن يجعل الكاميرا تؤدي هذا الدور. وأوضح أن بعض الممثلين قد يعجزون عن تقديم أحاسيس محددة، بينما يستطيع آخرون الوصول إليها بصدق كبير.
وتحدث عن تجربة عصام عمر خلال تصوير مشهد وفاة والدته في مسلسل «عين سحرية»، موضحًا أن الممثل لم يكن قادرًا على التوقف عن الأداء، لأنه تخيل والدته بصورة حقيقية. وأشار إلى أنه كان سعيدًا جدًا بالنتيجة التي وصل إليها المشهد، لأنه قدم أفضل أداء من وجهة نظره، لكنه في الوقت نفسه أدرك صعوبة التجربة على الممثل، الذي استحضر إحساسًا شخصيًا وعميقًا.
وتطرق السدير إلى فكرة الشك في العملية الإبداعية، موضحًا أن الشك قد يكون طريقًا إلى اليقين، وأنه يعيش حالة من التساؤل المستمر تجاه ما يصنعه، معتبرًا أن هناك فرقًا بين الشك والتردد؛ فالشك يدفع المخرج إلى طرح الأسئلة، بينما قد يمنعه التردد من اتخاذ القرار.
واستشهد ببيت المتنبي «على قلقٍ كأن الريح تحتي»، مؤكدًا أن مهنة الإخراج قائمة على التساؤلات المستمرة، وأن اللاوعي قد يدفع المخرج أحيانًا إلى اتخاذ اختيارات لا يفكر فيها بصورة مباشرة.
واستعاد تجربة تصوير مشهد جمع عصام عمر بوالدته، وكانت فيه شخصية تعتذر إلى والدته، موضحًا أنه كان يتخيل المشهد بطريقة معينة، لكن ضيق الوقت، وحاجة مدير التصوير إلى ضبط الإضاءة، وضغط فريق الإنتاج لإنهاء يوم التصوير، دفعته إلى تنفيذ المشهد بصورة مختلفة. وأشار إلى أنه لم يكن راضيًا عن النتيجة، وحاول معالجتها خلال المونتاج، وظل يشعر بالنفور من المشهد، قبل أن يفاجأ بتفاعل الجمهور معه وحديثهم عنه بصورة واسعة.
وأوضح أن المشاهد قد ينتبه إلى تفاصيل في العمل لم يكن المخرج يقصدها بالضرورة، ثم يبني عليها تأويلات خاصة به، مؤكدًا أن هذا التفاعل يمثل جانبًا مهمًا من تجربة المشاهدة، وأن على صانع العمل أن يتحرر من بعض الضغوط التي تجعله مرهقًا أثناء الصناعة.
وأشار إلى أنه دخل تجربة «عين سحرية» وهو يعرف ما يريده من مواقع التصوير، وكان يتخيل شخصية عصام عمر غارقة طوال الوقت في عالمها الخاص، داخل منزلها وبين البنايات العالية، بما يخدم الحالة النفسية للشخصية ورؤية العمل.
وقال السدير إنه جاء إلى مصر وهو يعرف كل الممثلين حرفيا، وكان يلجأ للعروض المسرحية ويشاهد كل شئ حتى يستطيع معرفة الممثلين، نعم هناك وكالات كاستينج ولكنها ليست فعالة لدينا مثل في الخارج، في الغرب ٥٠٪ من الكاستينج للوكالة والآخر للمخرج. ولكنه لا يحب الحواجز بينه وبين الممثل فهناك ممثلين يُظلمون بسبب هذه الوساطات
واختتم السدير مسعود حديثه بالتأكيد على أنه يفضل أن تقوم الأعمال التي يشارك فيها على الشراكة بين جميع أفراد فريق العمل، لا على وجود بطل واحد يؤدي الجميع أدوارًا لخدمته، مشددًا على أنه يحب أن يكون كل المشاركين شركاء حقيقيين في صناعة المشروع.



