قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

وزارة الأوقاف: "احترام الرموز" موضوع خطبة الجمعة القادمة

وزارة الأوقاف
وزارة الأوقاف

أعلنت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة القادمة الموافق ٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ / ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦م بعنوان: «أنزلوا الناس منازلهم.. احترام الرموز».

وأوضحت الأوقاف في بيانها اليوم، أن خطبة الجمعة تأتي ضمن الإصدار  الثاني والسبعون من سلسلة «زاد الأئمة والخطباء».

وأشارت الأوقاف إلى أن الهدف المراد توصيله من خطبة الجمعة هو إحياء خُلُقِ معرفةِ أقدار الناس وقيمةِ إنزالهم منازلهم، بما يحفظ هيبة ذوي الفضل منهم، ويصون كرامة كل إنسان.
 

وزارة الأوقاف تعلن خطبة الجمعة القادمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد؛

فإنَّ من محاسِن الأخلاق التي جاء بها الإسلام أن يعرف الإنسانُ للنَّاس أقدارهم، وأن يُنزلهم منازلهم التي تليق بفضلهم وسِنِّهم وعلمهم وسابقتهم ومسؤولياتهم ومقامهم، فلا يُبخَس صاحبُ فضل فضلَه، ولا يُهدَر حقُّ كبير لكبر سِنه، ولا يُنتقص من قدر عالم لعلمه، ولا تُسوَّى المقامات التي جعل الشرع القويم والعقل الحكيم والعرف السليم بينها تفاوتًا معتبرًا، فاحترام الرموز وأهلِ الفضل من دلائل الوفاء والعدل وحسن الأدب، وهو دليل على رقي المجتمع بأسره واستقامةِ منظومة القيم فيه.

وقد ربَّى الإسلام أتباعَه على هذه المعاني؛ فرفع من شأن أهل العلم، وأمر ببر الوالدين، وحثَّ على توقير الكبير، وحفظ لأهل السابقة فضلهم، وأكد في الوقت نفسه أن كرامة الإنسان مصونة، وأن التفاضل بين الناس لا يبيح ظلم أحد أو احتقاره، ومن هنا تتكامل في هذا الخُلق قيمتان عظيمتان:

الأولى: إعطاء كل ذي حق حقه، والثانية: حفظ كرامة الجميع؛ فلا يكون التوقير غلوًّا، ولا يكون الاختلاف إساءة، ولا تكون المساواة ذريعة إلى إلغاء الفوارق المشروعة بين الناس.

معرفة أقدار الناس والاعتراف بفضل أهل الفضل من مكارم الأخلاق
من تمام المروءة وحسن الخلق أن يرى الإنسان فضل أهل الفضل فيعترف به، وأن يقدّر لأهل العلم علمهم، ولأهل الخبرة خبرتهم، ولأهل التضحية تضحياتهم، ولأهل السابقة سابقتهم؛ فإن جحود الفضل خلق مذموم، وتسوية الناس في التقدير مع تفاوتهم في العلم والعمل والعطاء ليست من العدل؛ قال تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ ‌یَسۡتَوِی ‌ٱلَّذِینَ ‌یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ﴾ [الزمر: ٩]، وقال سبحانه: ﴿لَا یَسۡتَوِی مِنكُم ‌مَّنۡ ‌أَنفَقَ ‌مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُو۟لَٰۤئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةࣰ مِّنَ ٱلَّذِینَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُوا۟ۚ وَكُلࣰّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ﴾ [الحديد: ١٠]، وقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ ‌رَضِیَ ‌ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِذۡ یُبَایِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].

وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ، فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» [رواه أبو داود].

قال ابن علان البكري: "هو حض على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم، وتفضيل بعضهم على بعض في المجالس وفي القيام والمخاطبة والمكاتبة وغير ذلك من الحقوق. قال الإمام مسلم: "فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع متضع القدر فوق منزلته، ويعطى كل ذي حق حقه من قوله تعالى: ﴿وَفَوۡقَ كُلِّ ‌ذِی ‌عِلۡمٍ عَلِیمࣱ﴾ [يوسف: ٧٦]" [دليل الفالحين].

قال المناوي: "احفظوا حرمة كل واحد على قدره وعاملوه بما يلائم حاله في عمر ودين وعلم وشرف، فلا تسووا بين الخادم والمخدوم والرئيس والمرؤوس؛ فإنه يورث عداوة وحقدًا في النفوس، والخطاب للأئمة أو عام، وقد عد العسكري هذا الحديث من الأمثال والحكم وقال: هذا مما أدَّب به المصطفى صلى الله عليه وسلم أمَّته من إيفاء الناس حقوقهم من تعظيم العلماء والأولياء وإكرام ذي الشيبة وإجلال الكبير وما أشبهه" [فتح القدير].

وقال ﷺ: «مَن لم يرحَمْ صَغيرَنا، ويَعرِفْ حقَّ كبيرِنا، فليسَ منَّا» [رواه أبو داود]؛ فجمع في كلمات قليلة بين الرحمة بالصغير، والتوقير للكبير، ليقرر أن اختلاف المقامات أمر معتبر في منظومة الأخلاق الإسلامية.


صور من التنبيه على أهل الفضل
اشتملت السنة النبوية على أحاديث كثيرة أرشد النبي صلى الله عليه وسلم من خلالها الأمة إلى إنزال الناس منازلهم، فنوَّه بشأن أولي الفضل ليدرك الناس مكانتهم ويعرفوا قدرهم، ومن ذلك:

ما روي عنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» [رواه أبو داود].

نقل ابن مفلح عن ابن حزم أنه قال: "اتفقوا على توقير أهل القرآن والإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الخليفة والفاضل والعالم" [الآداب الشرعية].

وعَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ - قَالَ: "جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: «مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ»، أَوْ: كَلِمَةً نَحْوَهَا، قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ" [رواه البخاري].

وقال صلى الله عليه وسلم : «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» [رواه البخاري].

وطبق هذا عمر -رضي الله عنه- حال خلافته؛ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ، قَالَ: وَمَا أريته دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي: ﴿إِذَا جَاۤءَ ‌نَصۡرُ ‌ٱللَّهِ ‌وَٱلۡفَتۡحُ * وَرَأَیۡتَ ٱلنَّاسَ یَدۡخُلُونَ فِی دِینِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجࣰا﴾ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ: ﴿إِذَا جَاۤءَ ‌نَصۡرُ ‌ٱللَّهِ ‌وَٱلۡفَتۡحُ﴾ فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: ﴿فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا﴾ قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ" [رواه البخاري].

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» [متفق عليه].

وقد كان السَّلف يعرفون لأهل السابقة منزلتهم، فكان الصحابة يقدرون أهل بدر، وأهل الهجرة، وأهل البلاء في الإسلام، ويعرفون لكل واحد فضله ومكانته، دون أن يحملهم ذلك على الغلو فيه أو تجاوز حدود الشرع.


الهدي النبوي في احترام الكبير وتوقيره
إذا كان الإسلام قد أمر بمعرفة فضل أهل العلم والعمل، فإنه أولى عناية خاصة بحق كبار السن؛ لما اجتمع لهم من طول التجربة، وتراكم الخبرة، وسبق العطاء، فضلًا عن حق السن الذي جعله الإسلام محل توقير.

فعن أَنَس بْن مَالِكٍ قال: جَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَبْطَأَ القَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» [رواه الترمذي].

قال المناوي: "قوله: «وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا»؛ لما خص به السبق في الوجود، وتجربة الأمور" [التيسير بشرح الجامع الصغير].

وقد تمثل هذا التوقير والاحترام للكبير في صور عديدة منها:

١- إعطاؤه الفرصة للبدء بالكلام؛ فعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُمَا قَالَا: «خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ تَفَرَّقَا فِي بَعْضِ مَا هُنَالِكَ، ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هُوَ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ قَبْلَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَبِّرِ الْكُبْرَ فِي السِّنِّ»، فَصَمَتَ، فَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ، وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا» [رواه مسلم].

قال الخطابي: (قوله «كَبِّرِ الْكُبْرَ فِي السِّنِّ» إرشاد إلى الأدب في تقديم ذوي السن والكبر) [معالم السنن].

قال القاضي عياض: (ففي هذا الحديث مراعاة السن والتقديم للأشياخ والكبراء في الكلام وفى الجماعة في محافل الناس وأمورهم، إذا كانت القضية تخص جميعهم لكونهم أوليائه، وكذلك يجب في التقديم في الأمور والولايات وغيرها مع استواء الأحوال) [إكمال المعلم بفوائد مسلم].

قال ابن بطال: (فأمر أن يبدأ الأكبر بالكلام، فكان ذلك سنة إلا أنه دل حديث ابن عمر أن معنى ذلك ليس على العموم، وأنه إنما ينبغي أن يبدأ بالأكبر فيما يستوي فيه علم الكبير والصغير، فأما إذا علم الصغير ما يجهل الكبير؛ فإنه ينبغي لمن كان عنده علم أن يذكره وينزع به وإن كان صغيرًا، ولا يعد ذلك منه سوء أدب، ولا تنقص الحق الكبير في التقدم عليه) [شرح صحيح البخاري لابن بطال].

٢- الإفساح له ليجلس، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يُوَسَّعُ الْمَجْلِسُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي سِنٍّ لِسِنِّهِ، وَذِي عِلْمٍ لِعِلْمِهِ، وَذِي سُلْطَانٍ لِسُلْطَانِهِ» [رواه البيهقي].

٣- تقديمه في تقلد الأمور إن كان أهلًا لذلك، فعَنْ حَكِيمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ "أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بَنِيهِ فَقَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَسَوِّدُوا أَكْبَرُكُمْ، فَإِنَّ الْقَوْمَ إِذَا سَوَّدُوا أَكْبَرَهُمْ خَلَفُوا أَبَاهُمْ، وَإِذَا سَوَّدُوا أَصْغَرَهُمْ أَزْرَى بِهِمْ ذَلِكَ فِي أَكْفَائِهِمْ" [رواه البخاري في "الأدب المفرد"].

٤- تقديمه في الشراب والأكل، فعن ابْنَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ» [متفق عليه].

قال ابن بطال: (فيه: تقديم ذي السن في السواك، وكذلك ينبغي تقديم ذي السن في الطعام والشراب والكلام والمشي والكتاب وكل منزلة قياسًا على السواك، وهذا من باب أدب الإسلام) [شرح صحيح البخاري].

٥- الرفق به والشفقة عليه، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِي قُحَافَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: «لَوْ أَقْرَرْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ لَأَتَيْنَاهُ» [رواه أحمد وابن حبان].

وعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَتَتْهُ عَجُوزٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ: «إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا عَجُوزٌ»، فَذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ كَلِمَتِكَ مَشَقَّةً وَشِدَّةً، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَدْخَلَهُنَّ الْجَنَّةَ حَوَّلَهُنَّ أَبْكَارًا» [رواه الطبراني].

٦- مبادرته بالسلام والتحية، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ» [رواه البخاري].

قال ابن بطال: (قال المهلب: هذه آداب من النبي عليه السلام، وأما وجه تسليم الصغير على الكبير؛ فمن أجل حق الكبير على الصغير بالتواضع له والتوقير) [شرح صحيح البخاري].

٧- الإصغاء لحديثه، والإقبال عليه حين مصافحته، وهذا هو هديه ﷺ مع الجميع؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ «لم يَكُن أحدٌ يُكَلِّمُهُ إلّا أقبلَ عليهِ بوجهِهِ حتّى يَفرُغَ منَ كلامِهِ» [رواه البزار والطبراني].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- «أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لم يَكُن أحدٌ يأخذُ بيدِهِ فينزعُ يدَهُ من يدِهِ حتّى يَكونَ الرَّجلُ هوَ الذي يُرسِلُها» [رواه البزار والطبراني].

وكان من أخلاق النبي ﷺ أنه يُقْبِل على كل من كانت له به صلة قديمة، وينزله منازل الإكرام؛ فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جاءَتْ عجوزٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: «كَيْفَ أَنْتُمْ، كَيْفَ حَالُكُمْ، كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنَا؟»، قالَتْ: بخيرٍ بأَبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللهِ، فلمّا خرجَتْ قلْتُ: يا رسولَ اللهِ: تُقبِلُ على هذه العجوزِ هذا الإقبالَ؟!، فقال: «يَا عَائِشَةُ إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَانَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ» [رواه الحاكم والبيهقي].

إجلال العلماء وحفظ مكانة العلم
ومن أوضح صور إنزال الناس منازلهم: حفظ مكانة العلماء وأهل الاختصاص؛ لأن توقير العالم في حقيقته توقير للعلم الذي يحمله، وإعلاء لقيمة المعرفة في المجتمع، وإذا سقطت هيبة العلم وأصبح العالم عرضة للسخرية لمجرد خطأ أو اختلاف، ضعفت مكانة المعرفة، واضطرب ميزان القدوة؛ يقول الله تعالى: ﴿‌شَهِدَ ‌ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلۡعِلۡمِ قَاۤئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَاۤ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، ويقول سبحانه: ﴿یَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ‌ٱلۡعِلۡمَ ‌دَرَجَٰتࣲۚ﴾ [المجادلة: ١١].

ويقول النبي ﷺ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» [رواه أبوداود].

وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «من يُرِدِ اللهُ بهِ خَيْرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ» [رواه الترمذي].

وعن أبي هارونَ العَبْدِيِّ، قال: كُنَّا نَأْتي أبا سعيدٍ فيقولُ: مرحبًا بِوصِيَّةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ النَّاسَ لكم تَبَعٌ، وإنَّ رجالًا يأتُونكُمْ من أقطارِ الأرضِ يَتفَقَّهُونَ في الدِّينِ، فإذا أتَوْكمْ، فاسْتَوْصُوا بهم خيرًا» [رواه الترمذي].


احترام الرموز الوطنية وذوي المكانة واجب ديني
واحترام الرموز الدينية والوطنية والمجتمعية التي كان لها أثر في خدمة الناس أو حفظ القيم أو بناء المؤسسات هو امتداد لمعنى الوفاء والاعتراف بالفضل؛ فالمجتمعات التي تحفظ رموزها تحفظ جانبًا من ذاكرتها، وتربط الأجيال بتاريخ من سبقوهم وعطائهم.

وقد أرشد القرآن الكريم إلى احترام نظام الولاية والطاعة فيما يحقق المصلحة ويقيم شؤون المجتمع، فقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ‌وَأُو۟لِی ‌ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: ٥٩]، فجاء الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، ثم بطاعة أولي الأمر، للدلالة على أن استقامة حياة الناس لا تقوم على الفوضى، وإنما تحتاج إلى نظام وولاية تحفظ الحقوق وتصون المصالح.

وجاءت السنة النبوية مبينةً لهذه الطاعة ومؤكدةً مكانة من يتولى أمرًا من أمور الناس، فقال ﷺ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» [متفق عليه].

وظهرت عدة مواقف من السيرة النبوية، تكشف لنا دقة النبي ﷺ في معرفة طبائع الناس ومراعاة مكانتهم، وتبين أن إنزال الناس منازلهم قد يكون وسيلة إلى تحقيق مقاصد عظيمة للأمة الإسلامية:

من ذلك موقفه ﷺ من أبي سفيان بن حرب عام الفتح؛ فقد كان العباس رضي الله عنه يعلم ما في نفس أبي سفيان من حب الفخر والمكانة بين قومه، فقال للنبي ﷺ: «يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فلو جعلت له شيئًا»، فاستجاب النبي ﷺ لذلك، وقال: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» [رواه أبو داود]، فلم يتعامل النبي ﷺ مع هذه الخصلة النفسية بإهمال أو ازدراء، وإنما راعى حال الرجل ومكانته في قومه، وجعل من ذلك وسيلة للتأليف وتحقيق المصلحة العامة.
ومن ذلك كتابه ﷺ إلى هرقل، حيث قال: «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» [متفق عليه]، فقد راعى النبي ﷺ في خطابه مقام المخاطَب وما كان معروفًا له من مكانة وسلطان بين قومه؛ والمخالفة في العقيدة أو الرأي لا تبرر إسقاط آداب الخطاب.
ومن أبلغ المواقف في ذلك قصة جرير بن عبد الله رضي الله عنه، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتٍ مَدْحُوسٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَامَ بِالْبَابِ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَمِينًا وَشِمَالًا، فَلَمْ يَرَ مَوْضِعًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ رِدَاءَهُ، فَلَفَّهُ ثُمَّ رَمَى بِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ: «اجْلِسْ عَلَيْهِ»، فَأَخَذَهُ جَرِيرٌ فَضَمَّهُ وَقَبَّلَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ: أَكْرَمَكَ اللَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمَا أَكْرَمْتَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» [رواه الطبراني].
ومن أروع صور هذا الخلق ما رُوي عن علي رضي الله عنه، حين جاءه رجل يسأله حاجة، فقال له: "اكتب على الأرض؛ فإني أكره أن أرى ذلَّ السؤال في وجهِك"، ثم أعطاه حُلّة، فلما سأل الأصبغُ عليًّا عن ذلك قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ»، وهذه منزلة هذا الرجل عندي" [رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق»]، فهنا يبلغ احترام الإنسان غايته؛ إذ لم يكتفِ علي رضي الله عنه بقضاء الحاجة، بل حرص أولًا على صيانة كرامة صاحبها، فلم يُرِد أن يرى أثر الحاجة والانكسار في وجهه.

صيانة مكانة الرموز وأهل الفضل
ومن مقتضيات احترام الرموز وأهل الفضل، وصيانة مكانتهم في المجتمع، أن تُصان أسماؤهم وأعراضهم عن السخرية والامتهان، وأن يُحفظ لهم قدرهم، فلا تُتخذ مكانتهم العلمية أو الدينية أو الاجتماعية مادةً للتهكم، ولا يكون اختلاف الرأي ذريعةً إلى الانتقاص أو التشهير؛ فإن الكلمة إذا خرجت لم تعد ملكًا لصاحبها، ولا سيما في عصر تتناقل فيه المنصات الرقمية الكلمة والصورة والمقطع في لحظات، حتى قد يتحول المزاح العابر إلى إساءة واسعة، والتعليق العابر إلى حملة تشويه، والنقد المشروع إلى انتقاصٍ من الكرامة وإهدارٍ للهيبة.

وقد وضع القرآن الكريم أصلًا جامعًا في صيانة كرامة الناس، فقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ‌لَا ‌یَسۡخَرۡ ‌قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ﴾ [الحجرات: ١١]، فجعل السخرية واللمز والتنابز مناقضةً لأخلاق الإيمان، وأرشد إلى أن الإنسان قد يزدري غيره وهو لا يعلم منزلته عند الله ولا حقيقة قدره.

ونهى سبحانه عن انتهاك حرمات الناس وتتبع عوراتهم، فقال: ﴿وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یُحِبُّونَ أَن ‌تَشِیعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِی ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡءَاخِرَةِۚ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]، وفي ذلك تحذير من تحويل المجالس والمنصات إلى ساحات لتداول العيوب، ونشر المقاطع المسيئة، وإشاعة ما يجرح الكرامة أو يسيء إلى السمعة.

وقد أكد النبي ﷺ حرمة المسلم وكرامته تأكيدًا بالغًا، فقال: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» [رواه مسلم]، فجعل العرض في حرمة مصونة إلى جانب الدم والمال، فلا يجوز أن يكون موضع عبث أو تشهير أو انتقاص.

ومن جميل هديه ﷺ أنه لم يجعل اختلاف الناس في الرأي مسوغًا لإهدار أقدارهم، بل كان يربي أصحابه على أدب القول وحفظ المقامات، فقال: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ» [رواه الترمذي]، وقال ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [متفق عليه].

ويدخل في ذلك أهل العلم والدعوة وأصحاب الفضل والمكانة، فإن توقيرهم لا يعني عصمتهم من الخطأ، ولا يمنع من نقد ما يصدر عنهم نقدًا علميًّا منضبطًا، وإنما يعني أن يكون النقد للقول أو الفعل، لا انتقاصًا لصاحبه، وأن يكون مقصوده التصحيح والإصلاح، لا التشهير والإسقاط؛ فثمة فرق كبير بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها، وبين تصحيح الخطأ وتحويل الخطأ إلى وسيلة للنيل من الإنسان.

وفي زمن التواصل الرقمي، تزداد مسؤولية الكلمة؛ لأن المنشور لا يبقى في دائرة قائله، والمقطع قد يتجاوز في دقائق حدود المكان والزمان، وقد تعجز الاعتذارات اللاحقة عن محو أثر إساءة انتشرت على نطاق واسع، ومن هنا ينبغي للمؤمن أن يستحضر قبل أن ينشر أو يعلّق قول الله تعالى: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ ‌عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨]، وأن يسأل نفسه: هل ما أنشره حق؟ وهل فيه خير؟ وهل يرضي الله؟ وهل يحفظ للناس كرامتهم؟

إن احترام الرموز وأهل الفضل ليس تقديسًا للأشخاص، وإنما هو أدبٌ يحفظ للمجتمع توازنه، وللعلم مكانته، وللكلمة حرمتها، وللإنسان كرامته؛ إذ ليس من القوة أن نسخر ممن نختلف معه، ولا من الشجاعة أن نشهر بعيبه، وإنما القوة في أن نملك أدب الاختلاف، ونزن كلماتنا بميزان الشرع والإنصاف، ونرد الخطأ بالحجة، ونحفظ للناس أقدارهم، حتى ونحن نختلف معهم.

وأخيرًا... إن «إنزال الناس منازلهم» ليس شعارًا يُرفع، وإنما أدب يُمارس؛ يبدأ من نظرة الإنسان إلى من حوله، ثم يظهر في كلماته، ومجالسه، ومصافحته، واستماعه، وتقديمه، وتعاملاته اليومية.

احترم كبير السن، ولا تستخف بتجربته.
ووقر العالم، ولا تجعل اختلافك معه ذريعة لإهانته.
وأنزل صاحب الفضل منزلته، ولا تجحد سابقته.
واحفظ للرموز مكانتها واعرف لهم قدرهم.
واحفظ للإنسان كرامته، مهما كانت منزلته.
وتذكروا أن النبي ﷺ قال: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ»؛ فاجعلوها قاعدة في بيوتكم، ومجالسكم، ومؤسساتكم، ومدارسكم، ومواقع التواصل بينكم.

فكم من كلمة توقير ألفت قلبًا، وكم من إهانة هدمت مكانة، وكم من احترام لصاحب فضل حفظ قيمةً كانت ستضيع.

وإذا عرف كل إنسان قدر من أمامه، وعرف كل صاحب فضل حقه، وعرف كل كبير مكانته، وعرف كل عالم منزلته، اجتمعت القلوب، واستقامت العلاقات، وحُفظت الكرامات، وساد المجتمع أدب الاحترام والوفاء.