ضمن فعاليات اليوم الأخير من الدورة الثامنة لـ«ميدفست مصر»، أقيمت جلسة نقاشية جمعت عددًا من مخرجي الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة، وأدارها حسام شاكر مدير برنامج دعم الصناعة في مهرجان ميدفست مصر، بمشاركة منى داود مخرجة فيلم «وحدي» بطولة كريمة منصور، وجومانا بعلباكي مخرجة فيلم «تسلم إيدك»، ومارك أيمن مخرج فيلم «قُمع»، وزينة عمرو مخرجة فيلم «تاني يوم»، وأبانوب نبيل مخرج فيلم «اللي مايتسماش»، حيث تناولت الجلسة اختياراتهم الإبداعية، وتطور الأفكار من الكتابة إلى التصوير والمونتاج، إلى جانب التحديات الإنتاجية التي واجهت كل تجربة.
حسام شاكر: الفيلم القصير يضع صانعه أمام اختيارات مكثفة
ناقش حسام شاكر مع المخرجين عددًا من التفاصيل الفنية التي ميزت الأفلام المشاركة، بداية من طريقة تقديم المعلومات للمشاهد، مرورًا ببناء الشخصيات والعوالم البصرية، وصولًا إلى استخدام الصوت والمونتاج واللوكيشن كعناصر أساسية في السرد.
وتوقف شاكر أمام اختلاف طرق الحكي بين الأفلام، مؤكدًا أهمية الثقة في المشاهد وعدم تقديم جميع الإجابات بشكل مباشر، إلى جانب قدرة الفيلم القصير على خلق مساحات من الأسئلة والتأويل، بدلًا من الوصول دائمًا إلى قراءة واحدة محددة.
منى داود: «وحدي» بدأ من البحث عن لوكيشن يتحول إلى شخصية
تحدثت منى داود عن تجربتها في فيلم «وحدي»، موضحة أن اختيار موقع التصوير كان جزءًا أساسيًا من بناء الفيلم منذ مرحلة البحث الأولى، إذ كانت تبحث عن مكان يحتوي على تفاصيل محددة، من بينها ممر طويل ومرايا متعددة، وفي الوقت نفسه يكون واسعًا لكنه يمنح إحساسًا بالاختناق.
وأوضحت أنها وفريق العمل قضوا نحو ستة أشهر في البحث عن المكان المناسب، قبل اتخاذ قرار بتجاوز الميزانية للحصول على الموقع الذي يتناسب مع طبيعة الحكاية، مشيرة إلى أن مدير التصوير أدهم خالد ساعدها في اكتشاف إمكانيات بصرية لم تكن تراها في المكان نفسه، فتحول الموقع الواحد إلى عوالم متعددة داخل الفيلم.
وأكدت داود أن اختيار موقع التصوير لا ينبغي أن يتحول إلى هاجس إنتاجي إلا إذا كان المكان عنصرًا محوريًا في القصة، وهو ما اعتبرته متحققًا في «وحدي».
كما تحدثت عن تطور المشروع، موضحة أنه لم يكن في البداية فيلمًا قصيرًا بالشكل الذي ظهر به، قبل أن تصل إلى فرصة المشاركة في Her Story Incubator، والتي منحت المشروع دفعة جديدة، لتبدأ مرحلة الإنتاج الفعلي وينتهي التصوير خلال شهرين.
وعن إدارة الممثلين، أشارت داود إلى استفادتها من العمل مع كريمة منصور ولطيفة فهمي، موضحة أنها تعتمد في توجيه الممثل على شرح ما يحدث للشخصية خارج ما هو مكتوب حرفيًا في السيناريو، وما تشعر به ولماذا تقول الجملة في هذه اللحظة تحديدًا.
وأضافت أن التحدي الأكبر كان الوصول إلى إحساس بالغضب العميق من دون مبالغة، وهو ما تغير خلال البروفات بعد توضيح الطبقات النفسية للشخصية للممثلين.
جومانا بعلباكي: «تسلم إيدك» تحول من فيلم وثائقي إلى قصيدة بصرية
وصفت جومانا بعلباكي تجربتها في «تسلم إيدك» بأنها مختلفة، موضحة أن الفيلم بدأ كعمل وثائقي ثم تحول إلى ما يشبه القصيدة البصرية، وهو ما جعل طريقة صناعته مختلفة عن العمل على سيناريو تقليدي.
وأوضحت أن الفكرة الأساسية كانت استخدام الأيدي باعتبارها الفاعل والراوي للحكاية، وأن طبيعة الفيلم الوثائقي جعلت التصوير والاكتشاف يحدثان في الوقت نفسه، إذ كانت القصة تتطور مع عملية التصوير نفسها. وكشفت بعلباكي أن فكرة الفيلم وكتابته امتدا على مدار عام بشكل متقطع، بالتعاون مع شريكتها في الكتابة شهيرة جلال، قبل المرور بعدد من محاولات البحث عن الإنتاج وطرح المشروع في ورش مختلفة.
وأضافت أن الفيلم نفسه أُنجز في ثلاثة أسابيع ضمن مشروع كورس، وهو ما فرض قيودًا زمنية انعكست على طريقة صناعته.
وأوضحت أن حادثة وقعت أثناء التصوير تسببت في فقدان جزء من المادة المصورة، فلم يعد هناك وقت لإعادة تصويرها، وهو ما دفعها إلى تغيير مسار الفيلم والاعتماد على الصوت بوصفه خيطًا رئيسيًا للحكاية.
وأشارت إلى أن الفيلم يتناول سبع شخصيات تعيش في لندن وتنتمي إلى خلفيات عربية مختلفة، وتستخدم أيديها لاستعادة الهوية والذكريات المرتبطة بالوطن، موضحة أن وجود الصوت في أماكن تخلو من الصورة أتاح لها التعامل مع الذاكرة باعتبارها شيئًا يمكن سماعه أو الإحساس به أو استعادته من خلال اللمس، وليس بالضرورة رؤيته.
مارك أيمن: أردت أن أشكك المشاهد في الـ«Perspective» الذي يرى منه الفيلم
تحدث مارك أيمن عن اختياره في فيلم «قُمع» للعب على المسافة بين وجهة النظر الذاتية والرؤية الموضوعية، مؤكدًا أن الفيلم يتعمد وضع المشاهد داخل منظور شخصية واحدة، ثم دفعه تدريجيًا إلى التشكيك في كل ما رآه.
وأوضح أن هذا الاختيار كان حاضرًا منذ البداية، وأنه أراد أن يظل المشاهد طوال الوقت أمام سؤال: هل ما يراه حدث بالفعل أم أنه جزء من تصور الشخصية؟ مشيرًا إلى أن بعض الأحداث التي تبدو مؤكدة في لحظة، يعاد التشكيك فيها لاحقًا.
وأكد أيمن أنه لم يكن يريد أن يخرج الجمهور من الفيلم بحكم واحد على الشخصية الرئيسية، سواء باعتبارها محقة أو مظلومة، وإنما كان هدفه أن يخرج كل مشاهد بقراءة مختلفة، وأن يستمر في تحليل ما حدث وما لم يحدث بعد انتهاء الفيلم.
وأضاف أن السينما تصبح أكثر قوة عندما لا يخرج جميع المشاهدين من قاعة العرض بالرؤية نفسها، معتبرًا أن اختلاف القراءات يمنح الفيلم مساحة أكبر للتواصل مع الجمهور.
وعن رحلة صناعة الفيلم، أوضح أيمن أنه كان مشروع تخرج، واستغرقت مرحلة الكتابة والتحضير نحو عام، تلتها سنة أخرى شملت البحث عن مواقع التصوير والإنتاج والتصوير، بينما امتدت مرحلة ما بعد الإنتاج لعدة أشهر، خاصة المونتاج والصوت.
زينة عمرو: «تاني يوم» يحاول الاحتفاظ بمشاعر متناقضة
في الوقت نفسه تحدثت زينة عمرو عن فيلم «تاني يوم»، الذي يتناول اليوم التالي لفتاة بعد علاقة مع شاب، موضحة أن الفكرة الأساسية التي قادت اختياراتها الإخراجية كانت وجود مشاعر متناقضة في الوقت نفسه؛ بين السعادة والمتعة من ناحية، والعار من ناحية أخرى.
وأشارت إلى أن الفيلم كان مشروع تخرجها في الجامعة الأمريكية، وأنه بدأ من قصة حقيقية، قبل أن تكتب السيناريو في فصل دراسي وتنفذ الإنتاج في الفصل التالي، لتستمر أعمال المونتاج والصوت والألوان بعد تخرجها.
وكشفت عمرو، أن الفيلم مر بتغييرات كبيرة خلال مراحل الكتابة والتطوير، موضحة أنها كانت تتخيله في البداية كعمل كوميدي خفيف وساخر يتناول أفكار العار المرتبطة بجسد الفتاة، لكن النبرة الكوميدية تراجعت مع تطور المشروع، بينما احتفظ الفيلم بطابعه الخفيف.
وأكدت أنها لم تكن تريد تقديم البطلة باعتبارها ضحية تستدعي تعاطف المشاهد، وإنما كفتاة تحاول أن تعيش في مجتمع زرع داخلها مشاعر العار حتى أصبحت حاضرة في لحظات سعادتها.
كما تحدثت عن بناء البداية والنهاية، موضحة أن مشهد النهاية كان حاضرًا منذ المراحل الأولى، بينما جاءت اللقطة الافتتاحية بصورة عفوية أثناء وجودها في سيارة مع أصدقائها، عندما أخرجت يدها من النافذة وشعرت بأن اللحظة تحمل إحساسًا بالحرية، لتصبح لاحقًا افتتاحية الفيلم، في مقابل لقطة ختامية تعيد تشكيل الفكرة نفسها من زاوية مختلفة.
أبانوب نبيل: كل لوكيشن يجب أن يكون مؤثرًا في رحلة الشخصية
استعرض أبانوب نبيل التحديات الإنتاجية التي واجهته في فيلم «اللي مايتسماش»، خاصة مع تعدد مواقع التصوير ووجود طفلة في قلب الأحداث، موضحًا أن التحدي لم يكن فقط إقناع المنتج بتوفير عدد كبير من المواقع، وإنما إثبات أن كل موقع منها ضروري في رحلة الشخصية.
وأشار إلى أن معظم المواقع كانت حقيقية، وأن فريق العمل كان يختار أوقاتًا لا يكون فيها المكان مشغولًا، بينما احتاج مشهد المستشفى إلى إعادة هيكلة موقع موجود، بهدف خلق مساحة واسعة تظهر فيها الطفلة صغيرة للغاية بعد فقدان والدتها.
وأوضح نبيل أن التحضير والبحث استغرقا وقتًا طويلًا، خصوصًا أنه أراد فهم العالم الذي تدور فيه القصة بشكل حقيقي، فذهب إلى أماكن مرتبطة بعالم الفيلم، وحاول التعرف عن قرب على تفاصيل حياة الشخصيات، كما انتظر لفترات طويلة للحصول على فرصة للاطلاع على إجراءات طبية مرتبطة بالقصة.
وأكد أن هذا البحث كان ضروريًا بالنسبة له حتى يستطيع بناء العالم الذي يقدمه للممثلين ونقل الأحداث من وجهة نظر الطفلة، مشيرًا إلى أن التفاصيل التي جمعها خلال تلك الفترة انعكست على طريقة كتابة الشخصيات والمشاهد.
وعن الكتابة والمونتاج، أوضح نبيل أن عددًا من المشاهد كان محددًا منذ مرحلة السيناريو، خصوصًا المشاهد التي تعتمد على تقديم الإحساس دون شرحه بشكل مباشر، مثل خروج الطفلة إلى عالم مزدحم وصاخب.
وأضاف أن المونتاج منح الفيلم روحًا إضافية من خلال التحكم في توقيت المشاهد وإيقاعها، لكنه ظل في النهاية استكمالًا للسيناريو وليس خروجًا عنه.