داخل أروقة وزارة الدفاع الألمانية، تعمل وحدة صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها 20 شخصًا، لكنها تتولى مهمة بالغة الأهمية تتمثل في تسريع وصول الأسلحة والمساعدات العسكرية إلى أوكرانيا، حتى بات بإمكانها إتمام بعض صفقات التسليح خلال أسبوعين فقط.
وتعرف الوحدة رسميًا باسم «Sonderstab Ukraine»، أي «هيئة الأركان الخاصة بأوكرانيا»، فيما أطلق عليها بعض المتعاملين معها لقب «وحدة حرب العصابات»، في إشارة إلى أسلوب عملها غير التقليدي وسرعة اتخاذها للقرارات، بحسب صحيفة «فايننشال تايمز».
ويقود الفريق العميد يواخيم كاشكه، الطيار السابق على مقاتلات «تورنادو»، الذي يعزو سرعة الوحدة إلى ما وصفه بـ«سلاسل اتخاذ القرار القصيرة للغاية»، والتي تمنحها هامشًا واسعًا من المرونة في التعامل مع احتياجات أوكرانيا العسكرية.
وتقف الوحدة حاليًا وراء جانب أساسي من المساعدات العسكرية الألمانية لكييف، في وقت خصصت فيه برلين نحو 11.5 مليار يورو للدعم العسكري لأوكرانيا خلال العام الحالي.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، أنفقت ألمانيا حتى الآن نحو 58 مليار يورو على الأسلحة والمعدات الموجهة إلى أوكرانيا، بدءًا من المسيّرات الصغيرة وصولًا إلى أنظمة الدفاع الجوي التي تصل تكلفة بعضها إلى مئات الملايين من اليورو.
من 5 آلاف خوذة إلى عشرات المليارات
لم تكن ألمانيا، قبل اندلاع الحرب، مستعدة للانخراط بهذا الحجم في تسليح أوكرانيا. وقبل الغزو الروسي الشامل في فبراير 2022، أثار قرار برلين عرض إرسال 5 آلاف خوذة إلى كييف انتقادات واسعة، في ظل سياسة ألمانية تاريخية اتسمت بالحذر تجاه تصدير الأسلحة إلى مناطق النزاعات، متأثرة بإرث الحرب العالمية الثانية وعلاقاتها المعقدة مع موسكو.
ومع اندلاع الحرب، أنشأت وزارة الدفاع الألمانية مركزًا لمتابعة التطورات العسكرية وإطلاع القيادة السياسية عليها. لكن مهمة المركز سرعان ما تجاوزت مراقبة المعارك إلى البحث عن سبل عملية لمساعدة أوكرانيا، قبل أن يتحول في يوليو 2022 إلى الوحدة الخاصة التي تتولى المهمة حاليًا.
وفي بدايات الحرب، عمل أعضاء الفريق على مدار الساعة للبحث عن معدات يمكن إرسالها سريعًا إلى الجبهة. وكان من أبرز التحولات حصول أوكرانيا على خمس مسيّرات استطلاع ثابتة الجناحين من شركة «Quantum Systems» الألمانية الناشئة.
واستخدمت القوات الأوكرانية هذه المسيّرات، بعد ربطها بشبكة «ستارلينك»، في رصد الأهداف وتحديد مواقعها لصالح وحدات المدفعية خلال معارك ربيع 2022، الأمر الذي لفت انتباه المسؤولين الألمان.
ومنذ ذلك الحين، بدأت برلين تمول شراء هذه المسيّرات وغيرها من الأسلحة مباشرة من الشركات الألمانية، لتتشكل آلية أكثر سرعة: تحدد كييف احتياجاتها، بينما توفر ألمانيا التمويل اللازم لشرائها.
كيف تختصر برلين طريق الصفقات؟
أحد أبرز أسباب سرعة الوحدة يتمثل في قدرتها على تجاوز جزء من الإجراءات البيروقراطية المعقدة التي عادة ما ترافق مشتريات الجيش الألماني.
فالعقود تُبرمها الحكومة الأوكرانية مباشرة، وليس الحكومة الألمانية، ما يسمح بتجاوز جزء من إجراءات الشراء التقليدية والهيئة الألمانية المختصة بمشتريات القوات المسلحة، التي يعمل بها نحو 13 ألف موظف.
وبهذه الآلية، اكتسب الفريق سمعة داخل الأوساط الدفاعية بسبب قدرته على إنجاز بعض صفقات الأسلحة خلال أسبوعين فقط.
وحظيت الوحدة بدعم سياسي من وزير الدفاع بوريس بيستوريوس، رغم الحفاظ على حجمها المحدود. ووصف أحد المطلعين على طريقة عملها أجواء الفريق بأنها تشبه «شركة ناشئة»، إذ يمتلك أعضاؤها معرفة تفصيلية بالأنظمة العسكرية وقدرتها الفعلية على العمل في ميدان المعركة.
ولم تعد مهمة الوحدة تقتصر على شراء الأسلحة، إذ توسعت خلال العام الأخير لتصبح قناة لتبادل الخبرات بين الجيشين والصناعات الدفاعية الألمانية والأوكرانية.
تراجع الدعم الأمريكي يعزز الدور الألماني
اكتسبت الوحدة أهمية أكبر مع تولي المستشار فريدريش ميرتس السلطة، بالتزامن مع الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتراجع المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا.
ووفق معهد «كيل للاقتصاد العالمي»، تراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا بنسبة 99% خلال العام الماضي، ما دفع ألمانيا، باعتبارها أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، إلى تحمل دور أكبر في جهود تعويض النقص في المساعدات.
ورفعت حكومة ميرتس حجم الإنفاق العسكري المخصص لأوكرانيا، لتصل ميزانية الدعم الألماني خلال العام الحالي إلى 11.5 مليار يورو.
ورغم زيادة المساهمات الأوروبية، بما في ذلك قرض للاتحاد الأوروبي بقيمة 90 مليار يورو، لم تتوقف العمليات العسكرية الروسية، بينما لا تزال أوكرانيا تواجه نقصًا في الصواريخ الاعتراضية اللازمة للتصدي للهجمات الباليستية الروسية.
مليارات المساعدات تثير مخاوف الرقابة
ومع تزايد حجم الإنفاق، برزت في ألمانيا تساؤلات بشأن الرقابة على الأموال ومخاطر الفساد في أوكرانيا، خصوصًا مع ضخ مليارات اليوروهات في صفقات التسليح.
وأكد كاشكه أن فريقه يدقق في العقود الممولة من أموال دافعي الضرائب الألمان، ويتحقق من ملاءمة الأسعار لمستويات السوق، فضلًا عن وضع جداول زمنية محددة للتسليم.
وفي الوقت ذاته، بدأت ألمانيا دعم تطوير وإنتاج أسلحة أوكرانية جديدة، بينها صواريخ قادرة على استهداف مواقع بعيدة داخل الأراضي الروسية.
كما أبرم ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اتفاقات تهدف إلى توسيع التعاون الدفاعي وإقامة مشاريع مشتركة بين الشركات الألمانية والأوكرانية.
لكن هذا التعاون أثار مخاوف لدى بعض الشركات الدفاعية الألمانية، مع اتجاه الصناعات الأوكرانية إلى التحول من مستورد للأسلحة إلى منتج ومصدر قادر على المنافسة في أسواق حلف شمال الأطلسي.
وظهر هذا القلق بشكل علني عندما قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن برلين ليست «راضية تمامًا» عن مستوى استفادة الشركات الألمانية من الإنفاق المرتبط بأوكرانيا، مشددًا على ضرورة أن يلمس دافع الضرائب الألماني مردودًا اقتصاديًا على الصناعة المحلية.
برلين تتعلم من الخبرة الأوكرانية
ولا تسير الخبرات العسكرية في اتجاه واحد، إذ تسعى ألمانيا أيضًا إلى الاستفادة من التجربة التي اكتسبتها القوات الأوكرانية خلال سنوات الحرب.
وعلى خلاف بريطانيا، لم ترسل برلين عسكريين إلى داخل أوكرانيا لتقديم المشورة، لكنها استضافت عشرات الجنود الأوكرانيين للاستفادة من خبراتهم، خصوصًا في مجال استخدام المسيّرات ووسائل التصدي لها.
كما تحصل ألمانيا على معلومات من ساحة المعركة، من بينها بيانات مصدرها نظام «Delta» الأوكراني، الذي يدمج معلومات الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار والمسيّرات والاتصالات الروسية التي تم اعتراضها، لتوفير صورة ميدانية متجددة.
وهكذا تحولت الوحدة التي ظهرت في خضم الحاجة الطارئة للحرب عام 2022 إلى أحد المحاور الرئيسية في منظومة تسليح أوكرانيا وتبادل الخبرات معها، في وقت تتحمل فيه برلين مسؤولية متزايدة عن دعم كييف.
ويلخص كاشكه طبيعة هذا التحدي باعتباره سباقًا مستمرًا مع روسيا، التي تطور أساليبها وأنظمتها مع كل جولة من القتال، ما يفرض على ألمانيا وحلفائها مواصلة تحديث الأسلحة والتقنيات التي يقدمونها لأوكرانيا.