في توقيتٍ بالغ الخطورة تتقاطع فيه الجهود السياسية مع واحدة من أصعب مراحل القضية الفلسطينية، وفي ظل الانشغال بالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تحطّ زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى مصر للقاء السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، حاملةً معها ملفات تشمل سبل إنجاح الجهود الحثيثة التي تبذلها مصر بالتعاون مع الشركاء الاقليميين والدوليين لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني وإغاثته وإعادة إعمار ما دمرته الحرب المستمرة على الشعب الفلسطيني، ورفض أي محاولات لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم.
القاهرة التي وقفت، قيادة وحكومة وشعبا، على مدار الـ 1074 يومًا منذ بدء عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، سدًا منيعًا أمام محاولات تهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة، وتصفية القضية، ودعم التمسك بحل سياسي يفضي إلى وتجسيد دولة فلسطين المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، وكثفت جهودها منذ اللحظات الأولى لوقف العدوان حقنا لدماء الشعب الفلسطينى، وبذلت العديد من المبادرات لإدخال المساعدات إلى سكان القطاع.
ومنذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى الآن، كانت رسالة مصر بقيادة الرئيس السيسي في جميع المناسبات والفعاليات المحلية والإقليمية والدولية "واضحة".. لا لتهجير الفلسطينيين.. لا لتصفية قضيتهم.. ولا لفرض واقع جديد بالقوة.. كما تحركت القاهرة دوليًا في سبيل ذلك، إلى جانب محاولاتها المستمرة، حتى الآن، للهدنة في قطاع غزة، بالإضافة إلى عقد قمة شرم الشيخ للسلام في الـ 13 أكتوبر 2025 بمدينة شرم الشيخ، والتي شهدت توقيع وثيقة لضمان ودعم اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في غزة.
وعلى مدار الـ 1074 يومًا، أكد الرئيس السيسي مرارًا وتكرارًا أن "التهجير خط أحمر"، ففي 17 أكتوبر 2023 وخلال استقباله المستشار الألماني أولاف شولتس في القاهرة، حذر الرئيس السيسي من أن استمرار العمليات العسكرية في غزة قد يؤدي إلى نزوح جماعي للفلسطينيين، مؤكدًا أن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء يعني نقل فكرة المقاومة والقتال إلى سيناء، وأن مصر لن تسمح بتصفية القضية الفلسطينية على حسابها.
وخلال قمة القاهرة للسلام، التي دعت إليها مصر في الـ 21 أكتوبر 2023، بمشاركة دولية واسعة، ألقى الرئيس السيسي كلمة قوية وحاسمة عكست موقف مصر الثابت، حيث أشار إلى رفض مصر القاطع لتصفية القضية الفلسطينية أو تهجير الفلسطينيين قسريًا، مؤكدا أن الحل يتمثل في وقف الحرب وإحياء مسار السلام.
وفي 25 أكتوبر 2023، استقبل الرئيس السيسي نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، وشدد حينئذ على ضرورة منع اتساع دائرة الصراع، ورفض فكرة التهجير القسري للفلسطينيين، مؤكدا أن حل القضية يكون بإقامة الدولة الفلسطينية.
وفي 24 نوفمبر 2023، بدأت الهدنة في قطاع غزة، ورحب الرئيس السيسي، آنذاك، بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمحتجزين، وشدد على استمرار إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
وتواصلت رسائل الرئيس السيسي الرافضة للتهجير والداعمة للقضية الفلسطينية في فبراير 2024، حيث أكد، خلال القمة الأفريقية في أديس أبابا، ضرورة الوقف الفوري للحرب في غزة، وحماية المدنيين، ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم.. كما جدد التأكيد، خلال لقاءات واتصالات دولية، على ضرورة وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، مع التشديد على رفض تهجير الفلسطينيين من القطاع.
وفي الـ 25 أبريل 2024، خلال الاحتفال بالذكرى الـ 42 لتحرير سيناء، أشار الرئيس السيسي إلى الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والموقف المصري الواضح منذ اللحظة الأولى الرافض تمامًا لأي تهجير للفلسطينيين من أراضيهم إلى سيناء أو إلى أي مكان آخر حفاظًا على القضية الفلسطينية من التصفية، وحمايـة لأمن مصـر القومي، مشددا على الموقف الثابت بالإصرار والعمل المكثف لوقف إطلاق النار، وإنفاذ المساعدات الإنسانية، ودفع جهود إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، حتى يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة.
وخلال مؤتمر الاستجابة الإنسانية الطارئة لغزة في البحر الميت بالأردن، في الـ 11 يونيو 2024، دعا الرئيس السيسي إلى وقف الحرب وإدخال المساعدات، وحمّل إسرائيل مسؤولية كبيرة عن الوضع الإنساني الكارثي في القطاع، مؤكدا ضرورة إلزام إسرائيل بإنهاء حالة الحصار، والتوقف عن استخدام سلاح التجويع في عقاب أبناء القطاع.
تعزيز الاستجابة الإنسانية في غزة
وفي ديسمبر 2024، استضافت مصر مؤتمر القاهرة الوزاري لتعزيز الاستجابة الإنسانية في غزة تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث أشار الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، إلى استمرار المأساة غير الإنسانية، وغير المسبوقة، التي يعاني منها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، منوها بأن العدوان على القطاع فاق كل الحدود، إذ تواصل إسرائيل ارتكاب الفظائع على مرأى ومسمع من العالم منذ أكثر من عام دون رادع، وفي مشاهد مُروعة تعجزُ الكلماتُ عن وصفها، كما تستخدم إسرائيل التجويع والحصار كسلاح، والتهجير كعقاب جماعي للفلسطينيين، بالمخالفة الفادحة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي.
وفي الـ 29 يناير 2025، وخلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الكيني وليام روتو في قصر الاتحادية بالقاهرة، أكد الرئيس السيسي أن ترحيل وتهجير الشعب الفلسطيني ظلم لا يمكن أن نشارك فيه، وأن مصر لا يمكن أن تسمح بالتهجير لما يمثله من تهديد لأمنها القومي.
وفي 7 فبراير 2025، تلقى الرئيس السيسي اتصالا هاتفيا من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، شدد خلاله على رفض إخلاء قطاع غزة من الفلسطينيين ومحاولات تهجيرهم، وضرورة بقاء سكان القطاع في أرضهم، وبدء عمليات إعادة إعمار القطاع بما يضمن استعادة الحياة الطبيعية.
وفي الـ 19 من الشهر ذاته، عقد الرئيس السيسي مؤتمرا صحفيا مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في العاصمة الإسبانية مدريد، حيث استعرض الرئيس السيسي فكرة إعادة إعمار غزة دون تهجير الفلسطينيين، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني متمسك بأرضه ووطنه، مشددا على ضرورة دخول المساعدات الإنسانية لإنقاذ سكان غزة من الأوضاع الصعبة التي يواجهونها، مشيدا بقرار إسبانيا الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.
من جانبه، أكد بيدرو سانشيز اتفاقه التام مع الموقف المصري الرافض القاطع لتهجير الشعب الفلسطيني.
وفي يوم الثلاثاء 4 مارس 2025 في مدينة القاهرة، عُقدت القمة العربية الطارئة، دعا الرئيس السيسي إلى دعم الخطة العربية لإعادة إعمار غزة مع بقاء الفلسطينيين في أرضهم، ورفض أي مخطط للتهجير أو تغيير التركيبة السكانية للقطاع، مشيرا إلى أن العدوان على قطاع غزة استهدف تدمير وتفريغ القطاع من سكانه وهو ما تتصدى له مصر ولن تشارك فيه.
وخلال القمة العربية الـ 34 التي عُقدت في العاصمة العراقية بغداد في الـ 17 مايو 2025، أشار الرئيس السيسي، في كلمته، إلى أن الفلسطينيين يواجهون جرائم ممنهجة وممارسات وحشية على مدار أكثر من عام ونصف، تهدف إلى طمسه وإبادته، وإنهاء وجوده في قطاع غزة حيث تعرض القطاع لعملية تدمير واسعة، لجعله غير قابل للحياة، في محاولة لدفع أهله إلى التهجير، ومغادرته قسرًا تحت أهوال الحرب، مشددا على أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967 هو حجر الزوايا لاستقرار المنطقة ولا سلام حقيقي بدونها.
وفي الـ 15 سبتمبر 2025، وخلال كلمته أمام القمة العربية الإسلامية الطارئة بالعاصمة القطرية الدوحة، أكد الرئيس السيسي رفض مصر الكامل لاستهداف المدنيين وسياسة العقاب الجماعي والتجويع، التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وهو ما أدى إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين الأبرياء، على مدار العامين الماضيين.
وفي أكتوبر 2025، استضافت مصر "قمة شرم الشيخ للسلام" لتوقيع وثيقة اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في قطاع غزة، حيث وقعها الرئيس عبد الفتاح السيسي، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوعان.
ورغم ما تشهده المنطقة من أحداث وتوترات إلا أن الرئيس السيسي جدد التأكيد، خلال استقباله الرئيس الصيني "شي جين بينغ"، خلال زيارته للقاهرة، مطلع الشهر الجاري، على ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية وفقا لمقررات الشرعية الدولية، مشددا على جهود القاهرة للدفع بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف حرب غزة، مشيدا بالدعم والتأييد الصيني لحقوق الشعب الفلسطيني، ومبدأ حل الدولتين سبيلا وحيدا لتحقيق السلام العادل والمستدام للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي وللمنطقة بأسرها.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك عقده الرئيس السيسي، مع رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، ورئيس قبرص نيكوس كريستودوليدس، بمدينة العلمين الجديدة، وذلك خلال قمة آلية التعاون الثلاثي التي استضافتها مصر في 8 سبتمبر الجاري، أكد الرئيس السيسي رفض مصر أية محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني من أراضيه، مشيرا إلى أن السلام العادل والشامل فى المنطقة لا يتحقق إلا بإقامة الدولة الفلسطينية.
وعلى هامش أعمال القمة الثامنة عشرة لتجمع "بريكس"، التي عُقدت في العاصمة الهندية نيودلهي الهندية، أكد الرئيس السيسي، ونظيره الإندونيسي برابوو سوبيانتو، مركزية القضية الفلسطينية في المنطقة، وشددا على ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة يجب أن تضمن إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
وشدد الرئيسان على رفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم، مؤكدين ضرورة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والعمل على إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، كما أكدا أهمية وقف الممارسات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.
مساعدات إنسانية
ولم تكتف مصر بجهودها السياسية ومواقفها الحاسمة لدعم الشعب الفلسطيني وقطاع غزة، إلا أنها بادرت بتقديم مساعدات إنسانية عاجلة لسكان القطاع، حيث أطلق مصر قافلة "زاد العزة.. من مصر إلى غزة"، وبلغت عدد القوافل حتى الآن 277 قافلة محملة بالمساعدات الإنسانية المتنوعة تضمنت سلال غذائية ودقيق، ومواد إغاثية و طبية وأدوية علاجية، ومواد بترولية لتشغيل المستشفيات والمنشآت الحيوية في القطاع.
ويتواجد الهلال الأحمر المصري على حدود قطاع غزة منذ بدء الأزمة، مع استمرار جاهزية مراكزه اللوجستية وتكثيف جهوده لتجهيز وإدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى قطاع غزة، والتي تجاوز إجماليها مليون طن، بمشاركة أكثر من 75 ألف متطوع بالجمعية.
وفي النهاية، أثبت الموقف الصارم لمصر ورسائل القيادة السياسية أنها لم تكن مجرد ردود فعل بل صياغة لرؤية استراتيجية أدركت أن تهجير الشعب الفلسطيني يتجاوز كونه أزمة إنسانية ليصبح خطة لتصفية القضية الفلسطينية، وأن المساس بسيادة سيناء واستقرار الحدود هو "خط أحمر" غير قابل للتفاوض أو المساومة.
م س ب