تدخل المواجهة بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي في اليمن مرحلة أكثر تعقيدا، في ظل تطورات ميدانية متسارعة أعادت ملف البحر الأحمر وباب المندب إلى واجهة المشهد الإقليمي، بالتزامن مع اتساع نطاق العمليات العسكرية وتزايد المخاوف من امتداد تداعياتها إلى حركة الملاحة وإمدادات الطاقة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة حالة غير مسبوقة من التوتر، على خلفية الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران، وما ترتب عليها من اضطرابات في ممرات الطاقة والملاحة، الأمر الذي جعل أي تصعيد جديد في اليمن يحمل تداعيات تتجاوز حدود الساحة اليمنية.
وخلال الأيام الماضية، تمكنت ميليشيا الحوثي من التقدم على أجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن، في تطور شمل السيطرة على مدينة المخا ومواقع ساحلية أخرى، قبل أن تصل قواتها إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضا باسم بريم، والواقعة في مضيق باب المندب.
وأكدت تقارير دولية أن الجزيرة تمثل موقعا استراتيجيا داخل المضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.
ومع أهمية الموقع، لم تتوقف تداعيات التطورات عند حدود السيطرة الميدانية، إذ تزامنت مع تبادل الهجمات بين الحوثيين والسعودية، واستهداف منشآت مرتبطة بالطاقة، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى زيادة الضغوط على أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم.
وفي هذا السياق، قال الدكتور خالد شنيكات، أستاذ العلوم السياسية والمحلل السياسي الأردني، في تصريحات خاصة لـ"صدى البلد"، إن الحرب بين الحوثيين والسعودية تمثل مسألة بالغة التعقيد، سواء على مستوى تشخيص المشهد أو تقييم اتجاهاته المستقبلية، إلا أن المعطيات الميدانية، من وجهة نظره، تشير إلى تعاظم قدرات الحوثيين.
تعاظم قدرات الحوثي القتالية
وأوضح شنيكات، أن قدرات الحوثيين كانت كبيرة في الأساس، مستشهدا بالهجوم الأخير والسيطرة على الساحل الغربي، معتبرا أن السيطرة على هذا الشريط الساحلي تعني إحكام القبضة على باب المندب وجزيرة ميون، التي تمثل نقطة أساسية في السيطرة على المضيق.
وتتفق أهمية جزيرة ميون مع ما أوردته تقارير دولية بشأن موقعها الجغرافي، إذ تقسم الجزيرة الممر المائي عند أحد أضيق أجزاء باب المندب، وهو ما يمنحها أهمية خاصة في أي حسابات تتعلق بأمن الملاحة في المنطقة.
وأضاف شنيكات أن الحوثيين يعملون حاليا على بناء بنية تحتية جديدة لضمان استمرار هذه السيطرة، مشيرا إلى إعلان الجماعة الإبقاء على مضيق باب المندب مفتوحا أمام دول العالم باستثناء السعودية، وهو ما اعتبره تحولا مهما في طبيعة الصراع.
وفي المقابل، دفعت التطورات الأخيرة السعودية إلى تكثيف تحركاتها العسكرية، حيث شنت غارات على مواقع للحوثيين في الساحل الغربي، بالتزامن مع استمرار الهجمات المتبادلة بين الطرفين.
وبحسب "رويترز"، استهدفت ضربات سعودية مناطق في حجة وتعز، بينما نفذ الحوثيون هجمات بطائرات مسيرة باتجاه الأراضي السعودية.
ولفت شنيكات إلى أن الجماعات والقوات التي توالي السعودية تبدو، وفق تقديره، متشرذمة وتعاني من انقسامات، رغم ما أنفقته المملكة على تدريبها وتسليحها، مشيرا إلى أن تجدد الحرب أدى إلى تراجع هذه القوات وتفككها والتخلي عن جانب من العتاد الذي حصلت عليه.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء الموقف الأمريكي من التطورات الأخيرة؛ إذ أفادت تقارير بأن مسؤولين أمريكيين أجروا اتصالات مباشرة مع الحوثيين، وأن إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تتجه إلى تدخل عسكري مباشر لمساندة السعودية في مواجهة التقدم الحوثي، رغم إبداء واشنطن قلقها بشأن حرية الملاحة في باب المندب.
ووفق ما نقلته تقارير أمريكية ودولية، فإن أحد الاعتبارات الرئيسية في الحسابات الأمريكية هو انخراط واشنطن في مواجهة واسعة مع إيران، وما يرتبط بها من ضغوط عسكرية واقتصادية، وهو ما يجعل فتح جبهة مباشرة جديدة في اليمن قرارا بالغ الحساسية.
وفي ظل هذه المعادلة، يرى شنيكات أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في اتساع نطاق التعاون الغربي مع السعودية بهدف إضعاف قدرات الحوثيين واستنزافها.
وأوضح أن هناك مخاوف غربية حقيقية من تنامي قدرات الحوثيين، خصوصا في حال استقرار سيطرتهم على باب المندب، وما قد يترتب على ذلك من إمكانية تنفيذ عمليات أوسع، مشيرا إلى أن التواصل الدبلوماسي الغربي مع الحوثيين لا يلغي وجود هذه المخاوف.
وقال إن أحد السيناريوهات يتمثل في تعاون الدول الغربية مع السعودية لمحاولة القضاء على قدرات الحوثيين أو استنزافها، مضيفا أنه إذا صحت التسريبات الإعلامية الإسرائيلية، فإن إسرائيل قد تحاول استخدام قدراتها الاستخباراتية للإضرار بالحوثيين، الذين تعتبرهم تهديدا لها، خاصة في ضوء العمليات التي نفذتها جماعة أنصار الله داخل إسرائيل خلال حرب غزة.
وبحسب شنيكات، فإن هذا السيناريو يقوم على محاولة تجميع الدول الغربية وإسرائيل وغيرها من الأطراف بهدف إلحاق الهزيمة بالحوثيين وتفكيك قدراتهم، إلا أن نجاحه أو فشله سيعتمد على الاستراتيجية التي سيتبعها الحوثيون في مواجهة هذه التحركات، وقدرتهم على المناورة وامتصاص الضربات والاستفادة من خبراتهم السابقة.
وتأتي هذه الحسابات في وقت تتعرض فيه المصالح السعودية لضغوط متزايدة، خاصة في قطاع الطاقة، إذ أدت الهجمات والتهديدات الأمنية إلى اضطرابات في مسارات تصدير النفط، فيما أصبحت المملكة أكثر اعتمادا على ساحل البحر الأحمر كمسار مهم لصادراتها في ظل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
كما أعلنت السعودية إغلاق خط أنابيب الشرق-الغرب بصورة احترازية بعد هجوم بطائرات مسيرة، في تطور أضاف بعدا اقتصاديا إلى المواجهة العسكرية.
ويأتي ذلك في وقت تتحدث فيه تقارير عن ارتفاع تكلفة الطاقة عالميًا مع اضطراب طرق الشحن في كل من البحر الأحمر والخليج، وهو ما يجعل استمرار المواجهة اليمنية جزءا من أزمة إقليمية أكبر تتشابك فيها حسابات الأمن والطاقة والملاحة.
أما السيناريو الثاني الذي طرحه شنيكات، فيتمثل في الوصول إلى تسوية سياسية، موضحا أن هذه التسوية يمكن أن تقوم، بحسب تصوره، على انسحاب السعودية من الأراضي اليمنية، وتوقف الحوثيين عن إطلاق الصواريخ والقذائف باتجاه الأراضي السعودية، والاعتراف بالحدود الدولية المعمول بها حاليا، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفع الحصار.
وفي المقابل، يتوقف الحوثيون عن مهاجمة المنشآت النفطية السعودية، وتتوقف العمليات التي تستهدف الأراضي والمنشآت السعودية.
وأشار شنيكات إلى أن إمكانية الوصول إلى هذا السيناريو قد تتعزز مع ارتفاع تكلفة الحرب على السعودية، في ظل الهجمات التي طالت خلال الفترة الماضية منشآت نفطية وأصولا عسكرية سعودية، معتبرا أن رفع التكلفة قد يدفع الرياض إلى التفكير في الانسحاب ورفع الحصار، وفقا لتقديره.
هل من تسوية قريبة للصراع؟
ولا تبدو فكرة التسوية بعيدة عن حسابات الأطراف الدولية، في ظل اتصالات أمريكية مباشرة مع الحوثيين، ومحاولات إقليمية لاحتواء التصعيد.
وفي هذا الإطار، أفادت "رويترز" بأن الصين تحركت دبلوماسيا لدى إيران بهدف المساعدة في كبح جماح الحوثيين، وذلك بعد طلب سعودي من بكين التدخل للمساعدة في احتواء التصعيد.
وتزداد تعقيدات المشهد مع ارتباط الحرب اليمنية بالصراع الأمريكي الإيراني، خاصة أن الحوثيين يمثلون أحد الأطراف المسلحة المرتبطة بإيران في المنطقة، في حين أصبحت السعودية نفسها أمام تهديدات متعددة لمصالحها النفطية وممراتها التجارية.
وهنا يبرز سؤال آخر يتعلق بطبيعة الصراع الذي تشهده المنطقة: هل لا تزال المواجهة تدور أساسا حول الصراع العربي الإسرائيلي، أم أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة تتداخل فيها المواجهة الأمريكية الإيرانية مع صراعات الخليج واليمن والبحر الأحمر؟
ويضع هذا السؤال السعودية تحديدا أمام حسابات صعبة، إذ لا يتعلق الأمر فقط بالملف اليمني، وإنما بأمن طرق تصدير النفط، وممرات الملاحة، وعلاقات المملكة مع واشنطن، وتوازناتها الإقليمية، إلى جانب مستقبل علاقتها بإسرائيل.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن احتمال ارتباط الضغوط التي تواجهها الرياض بملف التطبيع مع إسرائيل يبقى، حتى الآن، في إطار التحليلات والتقديرات السياسية، ولا يمكن التعامل معه باعتباره سببا مثبتا للتطورات العسكرية الحالية.
أما السيناريو الثالث الذي طرحه أستاذ العلوم السياسية، فهو استمرار الحرب بما يؤدي إلى استنزاف الطرفين، أي إضعاف القدرات السعودية واليمنية على حد سواء.
وأوضح أن اليمن تعرض لضربات واسعة أدت إلى تدمير مدارس وبنية تحتية ومستشفيات، فضلا عن ارتفاع المعاناة الإنسانية لليمنيين، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن السعودية تواجه بدورها ضربات متزايدة.
ولفت إلى أن التطورات الأخيرة شهدت، بحسب ما يراه، هجمات أكثر جدية في مناطق سعودية جنوبية مثل أبها وخميس مشيط، وصولا إلى الطائف، معتبرا أن استمرار هذا النمط من المواجهة يعني استنزاف قدرات الطرفين.
وفي أحدث التطورات، أعلنت السلطات السعودية أن حطام طائرة مسيرة جرى اعتراضها تسبب في مقتل شخص وإصابة آخرين في منطقة الطائف، بينما نفت جماعة الحوثيين اتهامات سعودية باستهداف مكة، وهو ما يعكس مدى الحساسية التي باتت تحيط بالتصعيد الأخير.
وأضاف شنيكات أن ما تنقله بعض المصادر الإعلامية عن تراجع القدرات السعودية يتزامن، بحسب تصوره، مع ضغوط كبيرة على قطاع النفط، الأمر الذي يطرح تحديا أمام قدرة المملكة على توفير الموارد اللازمة لإعادة بناء ما تتعرض له من أضرار.
حرب طويلة أم تسوية؟
وقال شنيكات إن استمرار الحرب لا يصب في مصلحة السعودية أو اليمن، لأن التكلفة ستكون مرتفعة على الطرفين، محذرا من أن استمرار الاستنزاف قد يقود إلى إضعاف البنية التحتية والقدرات الاقتصادية والعسكرية.
وتشير المعطيات الإنسانية الأخيرة إلى أن تكلفة التصعيد لا تقتصر على الجانبين العسكري والسياسي، إذ أفادت "رويترز" بأن أكثر من 100 ألف يمني نزحوا خلال موجة القتال الأخيرة، مع فرار بعض المدنيين عبر البحر الأحمر إلى جيبوتي، في ظل اتساع رقعة المواجهات.
وربط شنيكات هذا الاحتمال بما وصفه بسيناريوهات شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، مستشهدا بالحرب السورية وما خلفته من استنزاف وتدمير للبنية التحتية وتفكك مؤسسات الدولة، إضافة إلى التجربتين العراقية والليبية، معتبرا أن الحروب الطويلة تجعل إعادة الإعمار عملية بالغة الصعوبة والتكلفة.
كما أشار شنيكات إلى ما وصفه بـ"نظريات المؤامرة" التي تتحدث عن وجود أهداف غربية وإسرائيلية لتفكيك السعودية أو تقسيمها، قائلا إن مثل هذه السيناريوهات طُرحت في نهاية تسعينيات القرن الماضي، وتحدثت أيضا عن مصر بعد تدمير العراق، لكنه شدد على أن هذا الطرح يرتبط، في تقديره، بكتابات وبحوث ظهرت آنذاك ولم يشير في حديثه إلى وجود خطة حالية بهذا المعنى.
واختتم شنيكات بالتأكيد على أن استمرار الحرب يرفع التكلفة على جميع الأطراف، وأن المسارات الثلاثة التي طرحها ــ المواجهة واستنزاف قدرات الحوثيين، أو الوصول إلى تسوية سياسية، أو استمرار استنزاف الطرفين ــ تظل مرتبطة بالتطورات الميدانية وقدرة كل طرف على تحمل تكلفة الصراع وإدارة المرحلة المقبلة.
وبينما تستمر المواجهة على الأرض، تبدو الأزمة اليمنية اليوم مرتبطة بصورة أكبر بالمشهد الإقليمي الأوسع؛ من الحرب الأمريكية الإيرانية، إلى أمن البحر الأحمر وباب المندب، وأسواق الطاقة، وصولا إلى مستقبل التحالفات الإقليمية.
وهو ما يجعل أي تطور جديد في اليمن قابلا للانعكاس خارج حدوده، ويضع السعودية والولايات المتحدة وإيران والقوى الإقليمية أمام اختبار صعب بشأن كيفية إدارة المرحلة المقبلة دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.







