جاء لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في القاهرة الثلاثاء الماضي، في وقت تشهد فيه المنطقة تطورات متسارعة تتداخل فيها تداعيات التوترات الإقليمية مع أمن البحر الأحمر وحركة الملاحة الدولية، إلى جانب التطورات المرتبطة بالملف اليمني وانعكاساتها على أمن دول المنطقة ومصالحها الاقتصادية.
وبحسب البيان الرسمي بشأن اللقاء، بحث الرئيس السيسي وولي العهد السعودي العلاقات الاستراتيجية بين البلدين وسبل تطويرها في مختلف المجالات، إلى جانب عدد من القضايا على الساحتين العربية والإسلامية، وتطورات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، والملفات المرتبطة بالأمن والاستقرار الإقليميين.
وفي قراءة لهذه التطورات، يرى الكاتب السعودي إبراهيم العنزي أن أهمية اللقاء لا تقتصر على العلاقات الثنائية بين القاهرة والرياض، في ظل المصالح المباشرة للبلدين في أمن البحر الأحمر.
ويشير العنزي في تصريحات لـ "صدى البلد" إلى أن السعودية ترتبط مصالحها بأمن سواحلها ومنافذ تجارتها ومشروعاتها التنموية، في حين يرتبط أمن البحر الأحمر بالنسبة إلى مصر بأمن قناة السويس واستقرار حركة التجارة العالمية.
وبحسب رؤية الكاتب السعودي، فإن هذا التقاطع في المصالح يمكن أن يدفع نحو تعزيز التنسيق بين البلدين، إلى جانب الدول العربية والأفريقية المعنية، بشأن أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.
ويعتبر العنزي أن حماية الملاحة مسؤولية مشتركة، مع ضرورة احترام سيادة الدول المشاطئة، ورفض منح الجماعات المسلحة صلاحيات التعامل مع الممرات الدولية أو تحديد السفن التي تمر عبرها والمصالح التي يمكن استهدافها.
الحوثيون والأزمة اليمنية
ويضع العنزي التطورات المرتبطة بجماعة الحوثي في اليمن ضمن الملفات التي ترتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر، مشيرًا إلى أن التهديد، من وجهة نظره، لا يقتصر على الأضرار المباشرة الناجمة عن الهجمات، وإنما يمتد إلى محاولة التأثير على القرار السياسي من خلال استنزاف الأمن والاقتصاد.
ويرى الكاتب أن استمرار التعامل مع الممرات الدولية باعتبارها مجالا لنشاط الجماعات المسلحة قد يحولها إلى أداة ضغط على الأمن الوطني العربي، وهو ما يستدعي، بحسب رؤيته، موقفًا دوليًا واضحًا تجاه هذه المسألة.
ولا يفصل العنزي بين أمن البحر الأحمر ومستقبل الأزمة اليمنية، مؤكدًا أن استقرار الدولة اليمنية ووحدتها يمثلان مصلحة عربية ثابتة.
ويرى أن التصعيد الحالي يفرض مراجعة ضمانات التسوية وأدواتها، مع إبقاء المسار السياسي مفتوحًا، مشددًا على أن الوصول إلى اتفاقات للتهدئة لا يكفي وحده لضمان استدامتها.
ويشير إلى ضرورة وجود آليات لمراقبة تنفيذ الالتزامات ومعالجة الخروقات، محذرا من أن تتحول التهدئة إلى فرصة لإعادة التسلح ثم العودة إلى الاعتداءات.
وبحسب العنزي، تحتاج أي تسوية مستدامة إلى ترتيبات تعيد القرار العسكري إلى مؤسسات الدولة، مع مشاركة اليمنيين واحترام مصالحهم، إلى جانب تعزيز قدرة مؤسسات الدولة على توفير الخدمات والأمن، بما يساعد على استعادة ثقة المجتمع وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة.
وعن الموقف الأمريكي، يقرأ العنزي التحركات الأمريكية في ضوء اختلاف الأولويات وتقدير كلفة اتساع المواجهة، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن طبيعة الشراكة بين واشنطن والرياض تجعل استقرار المملكة مرتبطًا بمصالح أوسع، خصوصًا في مجالي الطاقة والاقتصاد العالمي.
ويرى أن ذلك يفسر أهمية تعزيز السعودية لقدراتها الوطنية وتوسيع شراكاتها، بما يمنحها مساحة أكبر لحماية مصالحها في حال تباينت حسابات الشركاء.
التطبيع السعودي الإسرائيلي
وفي ما يتعلق بملف التطبيع السعودي الإسرائيلي، يدعو العنزي إلى الفصل بين الرغبة الأمريكية في تحقيق التطبيع وبين الاستنتاج بأن محدودية التدخل العسكري الأمريكي تهدف إلى فرضه.
ويؤكد أن وجود ارتباط بين بعض ملفات التعاون والتطبيع لا يكفي لإثبات وجود مقايضة في الأزمة الحالية.
ويشير في المقابل إلى أن الموقف السعودي المعلن بشأن إقامة الدولة الفلسطينية يمثل المرجع في هذا الملف، معتبرًا أن أي ترتيبات أمنية تتجاوز حقوق الفلسطينيين تترك أحد أهم أسباب الصراع قائمًا، بما يؤثر، بحسب رؤيته، على فرص الوصول إلى سلام مستدام.
وتتسع رؤية العنزي إلى التحولات الجارية في موازين النفوذ وشكل الشراكات في المنطقة، إذ يرى أن التنسيق السعودي المصري، بالتعاون مع الدول العربية والأفريقية المعنية، يمكن أن يدعم مسارًا يقوم على احترام سيادة الدول وحماية الملاحة وتسوية النزاعات.
كما يدعو إلى وقف التدخل عبر الجماعات المسلحة، مع التأكيد على احترام حقوق الفلسطينيين وسيادة الدول العربية، معتبرًا أن الدبلوماسية تظل مسارًا أساسيًا للوصول إلى التزامات قابلة للتنفيذ.
وبحسب رؤية الكاتب السعودي، تتقاطع في المشهد الذي جمع السيسي ومحمد بن سلمان ملفات أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والأزمة اليمنية والشراكات الإقليمية والقضية الفلسطينية، وهي ملفات يرى العنزي أنها ترتبط بصورة مباشرة بأمن المنطقة ومصالح دولها.
ومن هذه الزاوية، يضع العنزي التنسيق المصري السعودي في إطار تحرك أوسع لدعم استقرار المنطقة وحماية المصالح الوطنية، بالتوازي مع الدفع نحو حلول سياسية للنزاعات وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدول وسيادتها.










