تزامنًا مع واقعة فتاة بورسعيد التي أثارت تفاعلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد إعلان رغبتها في الزواج، وعرض نفسها للزواج عبر «فيس بوك»؛ عاد الجدل حول مدى مشروعية أن تبادر الفتاة بعرض نفسها للزواج؟، وهل يتعارض ذلك مع الحياء أو الأعراف الاجتماعية؟، أم أن الشريعة الإسلامية أجازت للمرأة أن تسعى في طلب الزواج ممن تراه مناسبًا لها؟، وما الضوابط الشرعية التي تحكم مثل هذه المبادرة؟.
حكم عرض الفتاة نفسها للخطبة من الرجال
وتعليقا على هذا الحكم الشرعي، قال الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، إنه يجوز شرعًا للفتاة أن تخطب لنفسها، وللأب أن يخطب لابنته حين يشعر أن هناك شابًّا مناسبًا لابنته، رغم أن ذلك مخالف لما جرت به العادة، وقد حدث ذلك بالفعل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم-.
واستشهد «الطيب»، في حديث رمضاني سابق، بأن أَنَسًا قال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَكَ بِي حَاجَةٌ؟ فَقَالَتْ بِنْتُ أَنَسٍ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا، وَا سَوْءَتَاهْ وَا سَوْءَتَاهْ، قَالَ: «هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، رَغِبَتْ فِي النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا»، فابنة أنسٍ كانت متأثرة بالعادات والتقاليد لكنه أراد أن يصحح لها هذه العادات والتقاليد بالشريعة الإسلامية، وقد استنبط الفقهاء من هذا الحديث جواز أن تعرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، وهنا يأتي معيار التدين والخلق.

وتابع: «وحدث كذلك حِينَ تَأَيَّمَتْ (صَارَتْ أَيِّمًا وَهِيَ الَّتِي يَمُوتُ زَوْجُهَا) حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ زوجِها خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ، فعرضها عُمَرُ على عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فاعتذر، ثم عَرضَها على أبي بَكْرٍ الصِّديق فَصَمَتَ أيَّاما فَلَمْ يُجِبْ بنعم أو لا، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قصة معروفة، وقد عرض ذلك الإمام البخاري في صحيحه تحت عنوانين: الأول باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، والثاني بَاب عَرْضِ الإِنْسَانِ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ عَلَى أَهْلِ الْخَيْرِ، وعندنا عناوين أبواب صحيح الإمام البخاري أحكام تشريعية».
مواصفات الرجل التي تعرض المرأة نفسها عليه
وأشار إلى أن «هناك مواصفات في الرجل الذي يجعل المرأة تعرض نفسها عليه، وهو أن يكون الرجل صالحًا ذا خلقٍ يعرف لها حقوقها ويصونها ويحميها وتسعد معه، ومن هنا يجوز لهذه المرأة أن تكسر قاعدة العادات والتقاليد، لكن لا يجوز أن تعرض نفسها عليه لكونه كثير المال أو خفيف الظل أو وسيمًا؛ لأن عنوان الباب في البخاري: (باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح)، وليس الجميل أو كثير المال أو غير ذلك، وغالبًا بدأ يحصل هذا النوع من ناحية التعارف بين الشاب والفتاة إلى أن ينتهي بالزواج، لكن ينبغي أن يتم ذلك في إطار الشريعة الإسلامية».
وأكد شيخ الأزهر أن الحضارة الغربية تزن هذه الأمور بميزان المنفعة المادية، وقد بدأ البعض يتأثر بهذه الحضارة ويزن الأمور بميزان المنفعة والمصلحة، منوِّهًا إلى أن مشكلة الزواج لها حلٌّ وهو أن تُهَيَّأ للشباب شقق صغيرة تتكون من حجرة وصالة ومطبخ وحمام، ويجب ألا يُغالَى في المهر، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- زوّج رجلًا امرأة بخاتم من حديد، مشيرًا إلى أن الزواج في هذه الأيام صعب جدًّا، ولذلك يجب على الأثرياء أن يراعوا شعور الفقراء، وأن يساعدوا في تيسير الزواج.

حكم تزويج المرأة نفسها
وقال الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إن فقهاء المسلمين اتفقوا على أن للزواج شروطا لابد من توافرها لصحة الزواج وإذا تخلفت بطل عقد الزواج.
وأضاف الطيب، فى لقاء سابق على الفضائية المصرية، أن أول هذه الشروط هو توافر الولي للزوجة سواء كان الأب أو الأخ على حسب درجات الولاية، ثم صيغة الزواج وفيها يشترط الإيجاب من الزوج وهو طلبه المرأة للزواج، ثم القبول منها ووليها بالموافقة على هذا الزواج.
وأوضح أن فقدان عقد الزواج لأحد هذه الشروط؛ يبطل الزواج إلا عند الإمام أبى حنيفة فإنه يقول بجواز المرأة تزويج نفسها مطلقا، ولكن الباقي يحتفظ بحق الولي في الموافقة فإذا اتضح لها أنها زوجت نفسها دون إذنه ومن غير كفء؛ فيجوز له فسخ هذا الزواج.

