وسط حالة من القلق وبالتحديد عند مصب نهر التايمز، أسفل العاصمة البريطانية لندن مباشرة، يعمل فريق من خبراء إنقاذ السفن البحريين المتخصصين على تثبيت أحد أخطر حطام السفن في العالم، وهي السفينة إس إس ريتشارد مونتغومري، والتي تحطمت منذ الحرب العالمية الثانية، بحسب تقرير جديد نشرته صحيفة واشنطن بوست.
وتعود القصة إلى أواخر صيف عام 1944، وبعد أشهر قليلة من إنزال الحلفاء في نورماندي، جنحت سفينة الشحن العسكرية الأمريكية إس إس ريتشارد مونتغومري، وانقطع هيكلها إلى نصفين، وتسربت المياه إليها ثم غرقت، بينما كانت لا تزال تحمل في عنابرها 1500 طن من المتفجرات.
ويطلق السكان المحليون على السفينة اسم مونتي، وقد ظلت تتآكل ببطء على قاع البحر الضحل طوال 82 عامًا.
ورغم عدم وجود سجل دقيق تمامًا لمحتويات السفينة، لا تزال آلاف الذخائر من الحرب العالمية الثانية داخل هيكل مونتغومري المحطم، بينها قنابل ضخمة تزن 2000 رطل، وقنابل تجزئة، وذخائر دخانية من الفوسفور الأبيض، وصناديق تحتوي على صمامات ضغط.
ويمكن للقنابل القديمة، حتى وهي تحت الماء، أن تنفجر في ظروف معينة. وما يجعل وضع مونتي أكثر خطورة هو أن الظروف المحيطة بها تتغير باستمرار بسبب التيارات السريعة والمد والجزر وتحرك الرمال في مصب النهر.
وقال نولان كونواي، الذي يقود عملية الإنقاذ من على متن بارجة هولندية متطورة راسية بحذر شديد بجوار الحطام، إن القلق لا يقتصر على المتفجرات الموجودة داخل السفينة.
وأوضح أن الفريق يشعر بالقلق أيضًا بشأن الأشياء الموجودة حول البارجة، لأن أي منها قد يتسبب في حدوث انفجار متسلسل عند الحطام.
وظل الحطام طوال هذه السنوات بمثابة نصب تذكاري للحرب، إذ لا تزال صواريه الثلاثة ظاهرة فوق سطح المياه، كما أنه محدد بوضوح على الخرائط البحرية. ويمكن رؤيته من اليابسة، فيما تنظم شركات سياحية رحلات نهارية حوله، وتتذكر المجتمعات المحلية التضحيات والشجاعة والرعب الذي عاشته الأجيال السابقة.
كما يمثل الحطام تذكيرًا بأن المخلفات القاتلة للحروب يمكن أن تبقى لفترات طويلة، سواء كانت السفن والقنابل قد غرقت قبالة البلدات الساحلية الإنجليزية أو في الخليج العربي.
وتُعد مونتغومري بمثابة كبسولة زمنية وقنبلة موقوتة محتملة، وبعد تأخيرات طويلة، قررت الحكومة البريطانية أن الوقت حان لاتخاذ إجراءات لمنع الانهيار الكارثي لهيكل السفينة الفولاذي المتآكل.
وفي أحد أيام الآونة الأخيرة، كان كونواي، قائد المشروع، على متن سفينة تنقل أفراد الطاقم إلى البارجة. ويعمل كونواي لصالح شركة ريزولف مارين، التي تتخذ من فورت لودرديل بولاية فلوريدا مقرًا لها،
كما أن أعضاء فريقه متخصصون في التعامل مع الكوارث، ففي مهمة حديثة، تعاملوا مع حريق اندلع في غرفة طوربيدات داخل غواصة تابعة للبحرية الهندية، وفي عام 2024، استعانت بهم السلطات لفك تشابك سفينة الحاويات التي اصطدمت بجسر فرانسيس سكوت كي في ميناء بالتيمور. كما يتعامل الفريق بصورة منتظمة مع حالات جنوح السفن وانقلابها وفقدان حمولاتها والتسربات والحرائق.
وتستغرق الرحلة من الرصيف إلى موقع الحطام نحو 20 دقيقة.
أما الانطباع الأول عن الموقع فهو مدى ازدحامه، فالحطام يقع على بعد بضعة أميال من الشاطئ وعلى مسافة لا تتجاوز بضع مئات من الأمتار من ممرات ملاحية نشطة، وتمر آلاف السفن من المنطقة كل عام، بينها سفن الشحن السائب، وسفن الحاويات، والقاطرات، وناقلات الغاز الطبيعي المسال، وسفن الرحلات البحرية المتجهة إلى لندن، فضلًا عن العديد من قوارب الصيد والقوارب الترفيهية.
وتحدد عوامات بحرية الحطام، معلنة عن منطقة محظورة يمنع الدخول إليها، أما الصواري فهي في الأصل بقايا رافعات كانت تستخدم لتحميل حمولته القاتلة وتفريغها.
وأطلقت الحكومة البريطانية مشروعًا بقيمة 12 مليون دولار لإزالة الصواري الثلاثة، بعدما خلص خبراء إلى أن الهياكل الفولاذية قد تنهار فوق الطوابق المتحللة أسفلها، وهو ما قد يؤدي إلى عواقب خطيرة للغاية.
وعندما سُئل كونواي عما إذا كانت الأعمال في مونتغومري خطرة، شرح مدى الحذر الذي اتبعه الفريق في تنفيذ المهمة، فقد أجرى عمليات مسح واسعة باستخدام الرادار وأجهزة قياس المغناطيسية والسونار، بهدف تكوين صورة دقيقة عن الحطام وقاع البحر المحيط به، الذي تنتشر فيه ذخائر غير منفجرة، ويشار إليها اختصارًا بـ UXO، إلى جانب ما يُحتمل أن يكون ذخائر غير منفجرة، ويشار إليها بـ PXO.
وعلى مر السنين، تراكمت أخطار إضافية حول الحطام، فقاع البحر المحيط به تنتشر فيه أجسام نصف مدفونة، قد تكون ألغامًا دفاعية وذخائر مضادة للطائرات تركتها البحرية البريطانية، فضلًا عن ألغام وقنابل هجومية غير منفجرة أسقطتها القوات الألمانية.
وبعبارة بسيطة للغاية، فإن أفراد الإنقاذ لا يريدون حقًا الاصطدام بأي شيء، فقد تؤدي موجة صدمة إلى تفجير إحدى الذخائر، وهو ما قد يكون قاتلًا للغواص، أو قد يتسبب في اندلاع انفجار أكبر.
ورغم أن بعض تقييمات الحكومة البريطانية لا تزال سرية، فقد قدر خبراء من الكلية الملكية للعلوم العسكرية عام 1970 أن أسوأ سيناريو ممكن، أي انفجار كامل الحمولة، قد يؤدي إلى قذف المياه والحطام إلى ارتفاع 3000 متر، وإحداث موجة شبيهة بالتسونامي يبلغ ارتفاعها خمسة أمتار، بما قد يهدد البلدات والمنشآت الصناعية المحلية، بما فيها منشآت النفط والغاز القريبة.
وقد قدرت الحكومة البريطانية في تقاريرها احتمال وقوع هذا السيناريو الكارثي بأنه بعيد،
لكن وصف الاحتمال بأنه بعيد لا يعني أنه مستحيل، ولا يعني بالتأكيد أنه آمن تمامًا.
وفي عام 1967، حاول خبراء إنقاذ تثبيت الذخائر داخل حطام سفينة أمريكية الصنع أخرى، هي إس إس كيلتشي، التي كانت تستخدمها البحرية البولندية، بعدما غرقت بالقرب من ميناء فولكستون الإنجليزي بعد فترة قصيرة من الحرب.
واستخدم فريق الإنقاذ ألغامًا أشعلت بطريقة ما محتويات عنبر السفينة، ما أدى إلى انفجار بلغت قوته ما يعادل زلزالًا بقوة 4.5 درجة على مقياس ريختر.
وقال كونواي إنه لو كانت مونتغومري مجرد عملية إنقاذ عادية، لكان الفريق ثبّت المعدات في الصاري، ثم قطعه باستخدام الأساليب التقليدية وسحبه، لتنتهي المهمة ببساطة. لكنه أضاف أن الطبيعة الحساسة للحطام دفعتهم إلى استخدام أدوات خاصة.
وتشمل هذه الأدوات بارجة أنزلت ثلاث قوائم إلى الرمال الطينية لتثبيت نفسها في مكانها، على بعد بوصات قليلة فقط فوق سطح المياه وبجوار الحطام مباشرة، وينزل الغواصون إلى المياه واحدًا تلو الآخر، مع الحرص على عدم الوقوف على سطح السفينة الهش أسفلهم.
وقال أحد الغواصين، جيف كورنيش، إن مدى الرؤية لا يتجاوز بضع بوصات، ولذلك يعملون اعتمادًا على حاسة اللمس، ولقطع الصاري، استخدم خبراء الإنقاذ منشارًا سلكيًا ماسيًا، لأنه ينتج اهتزازات أقل، وبالتالي يقلل احتمال حدوث خطأ.
وأضاف كونواي أن الفريق لا يقوم بأي شيء من شأنه أن يثير قلق أمهاتهم، في إشارة إلى حرصهم على العودة سالمين إلى منازلهم بعد العمل.
وكانت مونتغومري من سفن ليبرتي، التي صُممت للعمل ضمن القوافل في شمال المحيط الأطلسي، وقد بُنيت بأوامر من البحرية الأمريكية بواسطة شركة سانت جونز ريفر لبناء السفن في جاكسونفيل بولاية فلوريدا، وحملت آخر شحنة من المتفجرات شديدة القوة في هوج آيلاند، وهو الموقع الذي يوجد فيه اليوم مطار فيلادلفيا الدولي.
وبعد أن نجت من عبور المحيط ومن غواصات يو الألمانية، كانت السفينة متجهة إلى قاعدة جوية أمريكية في شيربورج بفرنسا، التي كانت قد تحررت حديثًا، ووصلت مونتغومري إلى الموقع الذي أصبح قبرها في أواخر أغسطس 1944، بعد شهرين من إنزال قوات الحلفاء على شواطئ نورماندي.
وفي ذات السياق، أبلغ السكان المحليين عن رؤية أضواء غريبة فوق المياه ليلًا، وسط ترجيحات أن تكون ذخائر فوسفورية تحررت من صناديقها ثم اشتعلت على سطح المياه.
وفي مناقشة بمجلس اللوردات، وكذلك في الصحف اللندنية، أُثيرت مخاوف أيضًا من إمكانية استهداف الحطام من جانب إرهابيين أو مخربين باستخدام طائرات مسيرة أو متفجرات بسيطة.
لكن إزالة 1500 طن من المتفجرات قد تتطلب إخلاء البلدات المحلية أو بناء تحصينات وجدران بحرية تحسبًا لأي طارئ، وحتى الآن، يبدو أن الحكومة البريطانية ترى أن قطع الصواري ومراقبة الوضع والانتظار كافٍ للتعامل مع الخطر.



