قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

محمد غنيم يكتب: بانوراما الكلمات في بيانات حرب 6 أكتوبر

محمد السيد غنيم
محمد السيد غنيم

في الحروب لا تُقاس قوة الجيوش بالسلاح وحده، ولا تُصنع المعارك في ميادين القتال فقط؛ فهناك معركة أخرى تجري في الكلمات: كيف نصف ما حدث؟ ماذا نسميه؟ أي فعل نختار؟ ومتى نقول «هاجمنا» ومتى نقول «تصديْنا»، ومتى تصبح كلمة مثل «عبور» أبلغ من صفحات كاملة في وصف الانتصار؟

ولعل حرب السادس من أكتوبر 1973 تقدم نموذجًا استثنائيًّا يمكن للباحثين في اللغة أن يتأملوه؛ فالبيانات العسكرية المصرية التي صدرت في الساعات الأولى للحرب كانت تمثل نصوصًا شديدة التكثيف، تؤدي وظيفة عسكرية وإعلامية ونفسية في آن واحد، باختيار ألفاظ قوية ورنانة توقظ الروح المعنوية في نفوس الشعب.

وفي اليوم الأول للحرب تحديدًا، يمكن للقارئ أن يلاحظ تحولًا لغويًّا متدرجًا: من «التصدي» إلى «القصف»، ومن «الهجوم» إلى «الاقتحام»، ومن «الاقتحام» إلى «العبور»، ثم إلى «الاستيلاء» و«رفع علم مصر على الضفة الشرقية».

ومن ملاحظة دلالة الألفاظ المستخدمة ندرك أن النصر لم ينتظر حتى تُكتب كلمة «النصر»؛ بل كانت اللغة نفسها ترسم خطواته بيانًا بعد بيان.

من «التصدي» إلى «العبور»

في الساعة الأولى من البيانات العسكرية، لم تظهر اللغة المصرية في صورة المنتصر الذي يعلن انتصاره، وإنما جاءت في صورة جيش يواجه هجومًا.

يقول البيان الأول الصادر في السادس من أكتوبر: «قام العدو الساعة الواحدة والنصف بعد ظهر اليوم بمهاجمة قواتنا... وتقوم قواتنا حاليًا بالتصدي للقوات المغيرة»، وهذه الصياغة شديدة الدلالة.

الفاعل في بداية البيان هو «العدو»، بينما تأتي قواتنا المسلحة في موقع رد الفعل في الجملة التالية: «تقوم قواتنا حاليًا بالتصدي»، ومن الناحية الاتصالية، تبدو مصر هنا في موقع الدفاع؛ وهذا يتفق مع طبيعة البيان الأول الذي جاء في بداية الحرب.

لكن البيانات التالية تُحدث تحولًا واضحًا في بنية الأفعال.

في البيان الثاني نقرأ: «ردًّا على العدوان الغادر... تقوم حاليًا بعض من تشكيلاتنا الجوية بقذف قواعد للعدو وأهدافه العسكرية...»، انتقلت القوات المصرية من التصدي إلى القذف.

ثم يأتي البيان الثالث: «نفذت قواتنا الجوية مهامًا بنجاح وأصابت مواقع العدو إصابات مباشرة...»، وهنا تظهر كلمة «بنجاح»، ثم يتكرر الفعل «أصاب» مرتين في تركيب «أصابت مواقع العدو إصابات مباشرة»، وهو ما يمنح العبارة إيقاعًا توكيديًا؛ فالفعل «أصابت» يُتبع بمصدره «إصابات» لتأكيد وقوع الإصابة وبيان مباشرتها.

ثم يأتي التحول الأكبر في البيان الرابع: «... ثم قامت بعض من قواتنا باقتحام قناة السويس مطاردة للعدو إلى الضفة الشرقية...»، لم تعد القوات المصرية تكتفي بالرد أو التصدي، لقد أصبحت تقتحم.

وبعد ذلك مباشرة يأتي البيان الخامس ليستخدم فعلًا أكثر دلالة: «نجحت قواتنا في اقتحام قناة السويس في قطاعات عديدة واستولت على نقط العدو القوية بها ورفع علم مصر على الضفة الشرقية للقناة».

وبتتبع تطور إيقاع الخطاب في بيانات الحرب يمكننا أن نرسم خطًا بيانيًّا لغويًّا للحرب: «تصدى، قصف، نفذ، أصاب، اقتحم، استولى، رفع العلم»، إنها ليست مجرد أفعال متتابعة؛ إنها أفعال ترسم تصاعدًا في الموقف العسكري نفسه.

لماذا كانت كلمة «العبور» أقوى من كلمة «النصر»؟

من أكثر الكلمات حضورًا في الذاكرة المصرية عند الحديث عن حرب أكتوبر كلمة «العبور»، واللافت أن «العبور» في أصلها اللغوي كلمة بسيطة معناها الانتقال من جهة إلى أخرى، أو اجتياز حاجز أو مكان، لكن البيان العسكري جعلها تحمل معنى تاريخيًّا ضخمًا.

في البيان السادس جاء: «نتيجة لنجاح قواتنا في عبور قناة السويس...»، وفي البيان السابع: «نجحت قواتنا المسلحة في عبور قناة السويس على طول المواجهة...».

كلمة «العبور» هنا ليست مجرد وصف لحركة جغرافية فقد اختزلت عملية عسكرية كاملة في لفظ واحد، وهي الكلمة الأقوى في التعبير عن الإنجاز الذي تحققه القوات المسلحة.

والأهم أن «العبور» فعل حركة، بينما «النصر» نتيجة، ولذلك كان استخدام اللغة العسكرية لفعل الحركة أكثر ارتباطًا بالحدث نفسه؛ فالبيان لا يقول للقارئ: «انتصرنا» فقط، وإنما يقول له، عمليًّا: لقد عبرنا، واستولينا، وثبتنا مواقعنا.

وهذا من أسرار قوة اللغة في البيانات العسكرية، أن تجعل القارئ يرى الحدث من خلال الأفعال بدلًا من أن تكتفي بالحكم عليه.

كما تتضح بلاغة الفعل في بيانات أكتوبر، والفعل في النص العسكري أكبر من كونه استخدامًا لغويًّا، فهو يحمل دلالة تعبيرية لوصف الحدث، كما يحمل المعلومة التي يريد إيصالها، ولهذا تبدو البيانات شديدة الكثافة رغم أن لغتها ليست أدبية بالمعنى التقليدي.

«قواتنا» و«العدو».. لغة الانتماء والمواجهة

من الملاحظات اللافتة أيضًا كثرة استعمال ضمائر الانتماء، نجد: «قواتنا، مدفعيتنا، مقاتلاتنا، طائراتنا، قواتنا البرية، قواتنا البحرية، دفاعنا الجوي»، في مقابل: «العدو، قوات العدو، طائرات العدو، مواقع العدو، دبابات العدو»، وهنا تقوم اللغة بعملية تصنيف واضحة: نحن / هم، والضمير المتصل «نا» في كلمات مثل «قواتنا» و«طائراتنا» لتعزيز روح الانتماء وإشراك المتلقي في الحدث.

فبدلًا من أن تقول اللغة: «القوات المصرية»، يتكرر «قواتنا»، وهو اختيار يجعل البيان يتحدث بلسان الجماعة إلى الجماعة، ويحول الخبر العسكري إلى خطاب يمس الوجدان الجمعي.

وفي المقابل تختصر كلمة «العدو» الطرف الآخر في هوية وظيفية واحدة: الطرف الذي تقع معه المواجهة، هذه واحدة من أهم سمات لغة الخطاب الحربي وهي الاقتصاد في التسمية مع قوة الدلالة.

تحليل لغوي وبلاغي للبيان رقم 5 (بيان العبور)

يمكن أن نتوقف عند البيان رقم 5 تحديدًا، لأنه من أكثر البيانات دلالة من الناحية اللغوية:

«نجحت قواتنا في اقتحام قناة السويس في قطاعات عديدة واستولت على نقط العدو القوية بها ورفع علم مصر على الضفة الشرقية للقناة، كما قامت القوات المسلحة السورية باقتحام مواقع العدو في مواجهتها وحققت نجاحًا مماثلًا في قطاعات مختلفة».

أولًا: «نجحت قواتنا»

بدأ البيان بالفعل «نجحت»، والفاعل «قواتنا».

والتركيب هنا مباشر: نجاح + فاعل محدد، ويأتي بعده مباشرة ما يفسره: «في اقتحام قناة السويس».

ثانيًا: «اقتحام قناة السويس»

الفعل «اقتحم» أقوى دلالة من «عبر»، فالعبور يمكن أن يكون مجرد انتقال، أما الاقتحام فيوحي بالدخول بقوة في موضع محصن أو صعب، ولهذا فإن الجمع بين الكلمتين في بيانات اليوم نفسه يصنع تدرجًا دلاليًّا؛ الاقتحام يصف طبيعة الفعل، والعبور يصف نتيجته المكانية.

ثالثًا: «استولت»

بعد «اقتحام» يأتي فعل جديد: «استولت على نقط العدو القوية»، إذن البنية الدلالية أصبحت: اقتحام ثم استيلاء؛ أي إن القوات لم تدخل المكان فقط، بل أصبحت صاحبة السيطرة عليه.

رابعًا: «رفع علم مصر»

ثم تأتي العبارة الأكثر تأثيرًا من الناحية الرمزية: «ورفع علم مصر على الضفة الشرقية للقناة»، هنا تنتقل اللغة من المصطلح العسكري إلى الرمز الوطني، فقد كان يمكن للبيان أن يكتفي بعبارة مثل «ثبتت قواتنا مواقعها على الضفة الشرقية»، لكنه أضاف صورة العلم، والعلم في الخطاب الوطني ليس قطعة قماش؛ إنه علامة سيادة وانتماء واسترداد للمكان، وبذلك يتحول البيان من سرد فعل عسكري إلى صناعة صورة ذهنية كاملة.

وبهذا تظهر عبقرية اللغة حين تكون جزءًا من التاريخ، فقد بقيت بيانات السادس من أكتوبر وثائق عسكرية وأصبحت جزءًا من الذاكرة المصرية؛ فالكلمات التي قيلت في لحظتها وصفت المعركة بعناية لغوية فائقة، حفظت أحداثها للأجيال المتعاقبة، فالتاريخ يُكتب بالوقائع، لكنه يصل إلينا في النهاية عبر بوابة اللغة، وفي السادس من أكتوبر عام 1973، احتفلت جموع شعب مصر العظيم بالانتصار قبل أن يُصبح «النصر» كلمةً تُقال، فاللغة كانت أسبق والكلمات قالت كل شيء.

المصادر:

الهيئة العامة للاستعلامات المصرية: نصوص بيانات القيادة العامة للقوات المسلحة خلال حرب أكتوبر.

قناة وزارة الدفاع المصرية على يوتيوب.

بوابة الأهرام: نصوص وتوقيتات البيانات العسكرية الأولى في 6 أكتوبر، مع توثيق إذاعتها في حينها.