رصد المؤشر العالمي للفتوى (GFI)، التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، تحولات متسارعة في المشهد الديني بالمجتمعات الغربية خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2026، شملت مستجدات إفتائية وملفات اجتماعية وقانونية، إلى جانب التحولات التكنولوجية وتصاعد الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية والتطرف والاستقطاب الرقمي.
وجاء ذلك ضمن تقرير أصدره المؤشر لرصد اتجاهات الفتوى والقضايا الدينية والفكرية والإسلاموفوبيا، وتحليل تفاعل الخطاب الديني مع المتغيرات الاجتماعية والقانونية والتكنولوجية، حيث أظهر الرصد أن القضايا الإفتائية في الغرب لم تعد تقتصر على العبادات والأحوال الشخصية، وإنما امتدت إلى المعاملات الرقمية والمنتجات المالية الحديثة، وتعليم المرأة، والأسرة والطلاق، والممارسات الاجتماعية والترفيهية، والعلاقة بين الفتوى والقانون.
ويعكس هذا الاتساع حجم الأسئلة الجديدة التي تفرضها التحولات المتسارعة على المؤسسات الدينية، وما تستلزمه من تطوير أدوات الرصد والتحليل، بما يواكب طبيعة المستجدات ويعزز القدرة على التعامل معها بصورة مبكرة.
الفتوى تتصدر المشهد.. والإسلاموفوبيا والتطرف في صدارة التحديات
أظهر تقرير المؤشر العالمي للفتوى أن القضايا الإفتائية استحوذت على نحو 46% من إجمالي القضايا التي جرى رصدها خلال أغسطس وسبتمبر، بما يعكس استمرار حضور الفتوى في التعامل مع مستجدات اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية متباينة.
وفي المقابل، بلغت القضايا المرتبطة بالإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية نحو 27%، وهي النسبة نفسها التي سجلتها القضايا المتعلقة بالتطرف والاستقطاب الرقمي، فيما استحوذت قضايا شهر أغسطس على نحو 52% من إجمالي الرصد، مقابل 48% خلال سبتمبر.
ويكشف هذا التوزيع عن استمرار حضور الملفات الإفتائية والاجتماعية والأمنية والفكرية، مع وجود اختلاف نسبي في طبيعة القضايا المطروحة بين الشهرين، بما يؤكد أن المشهد الديني في الغرب يتحرك عبر مسارات متزامنة تتفاعل مع المتغيرات المحيطة بالمجتمعات المسلمة.
كما تشير المؤشرات إلى مشهد ديني متشعب تتقاطع فيه الأسئلة الإفتائية مع التحولات الاجتماعية والقانونية والتكنولوجية، بالتوازي مع تحديات الكراهية والتطرف في المجالين الواقعي والرقمي، وهو ما يؤكد أن حضور الفتوى أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بالقضايا اليومية المتغيرة التي يعيشها المسلمون في تلك المجتمعات.
وأظهرت القضايا الإفتائية نفسها تنوعًا واسعًا، ففي إندونيسيا ناقش مجلس الشريعة الوطني التابع لمجلس العلماء الإندونيسي تحديث الفتوى المتعلقة بمعاملات الذهب المادي عبر الوسائط الرقمية، إلى جانب أحكام الرهن والمنتجات المالية المرتبطة به، كما تناول شراء الذهب بالتقسيط أو عبر الإنترنت، مع التفريق بين الذهب باعتباره نقدًا والذهب باعتباره سلعة أو حُليًّا، بما يعكس اتساع الأسئلة الناتجة عن التحول الرقمي في الأسواق.
وامتد النقاش إلى ظاهرة «Sound Horeg»، وهي أنظمة صوتية ضخمة تستخدم في الاحتفالات، حيث تداخلت الاعتبارات الدينية والاجتماعية والمصلحة العامة في ظل الجدل المرتبط بالضوضاء وآثارها على السكان.
من الذهب الرقمي إلى تعليم المرأة والطلاق
وفي الهند، أكدت المحكمة العليا في ولاية ماديا براديش أن الفتوى لا تتمتع بقوة الحكم القضائي، ولا يمكن الاستناد إليها وحدها لإثبات انتهاء الزواج قانونًا، بما يبرز الفارق بين الإرشاد الديني والقرار القانوني الملزم.
وفي باكستان، تناولت فتوى دار العلوم كراتشي قضية تعليم النساء، مؤكدة جواز دراسة مجالات منها الطب والتمريض والتعليم وفق الضوابط الشرعية، بما يعكس حضور قضايا المرأة ضمن أجندة الإفتاء المعاصر، وارتباط بعض المسائل باحتياجات المجتمع، خاصة في المجالات الطبية التي ترتبط بصورة مباشرة بخدمة النساء.
وتعكس هذه النماذج تعدد وظائف الفتوى المعاصرة، إذ تتعامل مع معاملات اقتصادية مستحدثة وممارسات اجتماعية وقضايا تخص المرأة والأسرة، إلى جانب توضيح الحدود الفاصلة بين الحكم الشرعي والإجراء القانوني، وهو ما يبرز أهمية الاجتهاد المؤسسي القادر على قراءة المستجدات في ضوء خصوصية كل بيئة.
وفي هذا السياق، أكد مؤشر الفتوى أن البيئة القانونية والاجتماعية في المجتمعات الغربية تفرض سياقًا خاصًا على ممارسة المسلمين لشؤونهم الدينية، إذ يتعين الموازنة بين المرجعية الشرعية والقوانين والإجراءات المدنية التي تنظم الحياة وآثار القرارات.
وأوضح التقرير أن الفتوى لا تحل محل القانون، فهي كما قرر الفقهاء والأصوليون إخبار عن الحكم الشرعي غير ملزم، والحكم الشرعي لا ينشئ بذاته أثرًا قانونيًا ملزمًا في نظام الدولة، دون أن ينفي ذلك إلزامه ديانة.
ورصد المؤشر نماذج لذلك في جنوب أفريقيا، حيث تناولت أسئلة إفتائية الطلاق المكتوب، والطلاق في حالات الغضب أو السُّكر، والنفقة وآثار الطلاق أمام القضاء، بما يكشف التداخل بين الأحكام الشرعية والمنظومة القانونية، ويتطلب اجتهادًا ضابطًا ومعتبرًا للعلاقة بينهما.
وفي إندونيسيا، برزت مبادرة لإعداد ورقة أكاديمية ومشروع قانون بشأن ممارسات وحملات مرتبطة بالمثلية الجنسية، بينما تناولت فتوى في بريطانيا حالة فتاة تبلغ 16 عامًا تواجه ضغطًا أسريًا لحضور مناسبة تتضمن الموسيقى والاختلاط.
الإسلاموفوبيا تتخذ أشكالًا جديدة
رصد المؤشر العالمي للفتوى وقائع متعددة تعكس استمرار مظاهر العداء تجاه المسلمين والمؤسسات الإسلامية، تراوحت بين الاعتداءات المباشرة، وإظهار الرموز والشعارات العنصرية، ونشر مضامين معادية للمسلمين والمهاجرين عبر الفضاء الرقمي.
ففي بريطانيا، تعرض المركز الإسلامي في كورنوال لاعتداء تخريبي خلال شهر سبتمبر، بينما تعرض مسجد «التوفيق» في بلجيكا لاعتداءات متكررة تضمنت عبارات مسيئة للإسلام وشعارات نازية على واجهته.
وفي إسبانيا، كشف تقرير صادر عن المرصد الإسباني للعنصرية وكراهية الأجانب عن رصد 54,771 محتوى مسيئًا خلال الفترة من 11 يونيو إلى 21 يوليو 2026، ارتبط 52% منها بأحداث كأس العالم والمجال الرياضي، فيما استهدفت 88% من هذه المضامين أشخاصًا من أصول شمال إفريقية.
وتكشف هذه الوقائع عن ثلاثة مستويات متداخلة للإسلاموفوبيا، أولها مادي يستهدف المؤسسات، وثانيها رمزي يظهر في الشعارات والعبارات العنصرية، وثالثها رقمي يقوم على إنتاج وتداول المحتوى المسيء، بما يجعل مواجهة الظاهرة بحاجة إلى الرصد المبكر والتوعية المجتمعية وتحليل الخطاب الرقمي.
وتكتسب البيئة الرقمية أهمية خاصة في هذا السياق، نظرًا إلى قدرة المحتوى المسيء على تجاوز الواقعة التي نشأ فيها والانتقال سريعًا إلى جماهير وبيئات أخرى، فضلًا عن إمكانية ارتباطه بأحداث جماهيرية مرتفعة التفاعل.
ومن ثم، فإن التعامل مع خطاب الكراهية يحتاج إلى الجمع بين حماية المؤسسات، وتعزيز الوعي، وتطوير أدوات رصد المحتوى التحريضي، مع مراعاة الأطر القانونية المتعلقة بحرية التعبير.
التطرف الرقمي يستهدف النشء
أضاف مؤشر الفتوى أن البيئة الرقمية أصبحت مجالًا رئيسًا لتحول أنماط الاستقطاب والتطرف، مع انتقال عمليات التأثير إلى منصات التواصل والألعاب الإلكترونية وتطبيقات التراسل، بما أتاح الوصول إلى فئات عمرية أصغر.
وفي البرتغال، كشفت عملية أمنية أوروبية منسقة عن رصد 132 محتوى متطرفًا عبر تطبيق تيليجرام، إلى جانب نحو 4.340 رابطًا إلكترونيًا يروج لمحتوى متطرف، مع اعتماد الشبكات على استقطاب المراهقين من المنصات المفتوحة ونقلهم إلى مجموعات مغلقة ومشفرة.
وفي ألمانيا، اتجهت الاستجابة الرسمية إلى تعزيز البعد الوقائي داخل المدارس، بينما تصاعدت التحذيرات الأوروبية خلال سبتمبر من استغلال المنصات والألعاب في تجنيد الشباب والقُصّر، وسط مخاوف من توظيف الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في توجيه المحتوى التحريضي.
وتشير هذه المعطيات إلى تغير في بنية التهديد، من التنظيمات المركزية إلى شبكات أكثر مرونة تعتمد على التأثير النفسي والاستقطاب التدريجي، وهو ما يفرض استجابة تجمع بين الرصد التقني والتحصين الفكري والدور التربوي والأسري.
كما يبرز دور المدرسة والمؤسسات الدينية في بناء قدرة نقدية لدى النشء، تساعدهم على التعامل مع المحتوى الرقمي وعدم الانسياق وراء الرسائل التحريضية أو نظريات المؤامرة.
ويرى المؤشر العالمي للفتوى أن هذه التحولات تفرض تطوير مفهوم الرصد الديني، بحيث لا يقتصر على متابعة الفتاوى، وإنما يمتد إلى دراسة السياقات التي تنتج الأسئلة الدينية وتؤثر في انتشارها وتفاعل المجتمعات معها.
وتتقاطع الفتوى المعاصرة مع القانون والاقتصاد والتكنولوجيا والأسرة، بينما تتداخل قضايا الكراهية والتطرف مع الإعلام والمنصات الرقمية والتعليم والمجتمع، وهو ما يستدعي تكامل الرصد الإعلامي والتحليل الديني والاجتماعي.
ويؤكد مؤشر الفتوى أهمية الاجتهاد المؤسسي وفقه الواقع، بما يسمح بفهم المستجدات قبل تحولها إلى أزمات، مع الحفاظ على التمييز بين المجالات والاختصاصات.
كما تبرز الحاجة إلى مقاربة تتجاوز الرصد الوصفي إلى تحليل الاتجاهات والروابط بين الظواهر، بحيث يمكن الانتقال من تسجيل الوقائع إلى فهم أسبابها ومساراتها وآثارها المحتملة، بما يدعم بناء استجابات أكثر دقة وفاعلية.
ويخلص المؤشر العالمي للفتوى إلى أن المشهد الديني في الغرب يشهد تغيرًا متسارعًا، وأن التعامل معه يحتاج إلى رصد منهجي واستجابة أكثر استباقية، تعزز قدرة المؤسسات الدينية والبحثية على فهم المتغيرات، وتدعم حضور الخطاب الديني الرشيد في مواجهة تحديات المرحلة الراهنة.
كما يؤكد أهمية التكامل بين المؤسسات الدينية والبحثية والإعلامية والتربوية في التعامل مع هذه الملفات، مشيرًا إلى أن دلالة الرصد لا تكمن فقط في تعدد القضايا أو اختلاف ساحاتها الجغرافية، وإنما في تقاطعها حول سؤال أوسع يتعلق بكيفية حضور الدين في مجتمع سريع التغير، وكيفية تفاعل المرجعية الدينية مع المستجدات والقانون والفضاء الرقمي.



