واصل الجامع الأزهر، عقد اللقاء الأسبوعي لملتقى السيرة النبوية، الذي جاء هذا الأسبوع تحت عنوان: "من نساء النبي: السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها"، وذلك بحضور كل من: الدكتور نادي عبدالله، أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر، والدكتور صلاح عاشور، عميد كلية اللغة العربية السابق، وأدار الملتقى الشيخ علي حبيب الله، الباحث بالجامع الأزهر.
وقال الدكتور صلاح عاشور، إن السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها كانت من الشخصيات البارزة في السيرة النبوية، وكان لها حضور مؤثر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي قومها، فهي أم المؤمنين، وابنة الحارث بن أبي ضرار، سيد بني المصطلق، وقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم عقب غزوة بني المصطلق، فكان لهذا الزواج أثر كبير في حياة قومها وفي علاقتهم بالإسلام، وإذا تأملنا المشهد العام الذي واجهه النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، نجد أنه كان مشهدا شديد التعقيد؛ فقد اجتمع في المدينة المهاجرون القادمون من مكة، والأوس والخزرج الذين ترجع أصولهم إلى اليمن، إلى جانب اليهود والمنافقين.
وكان من أهم التحديات التي واجهت النبي صلى الله عليه وسلم بناء مجتمع متماسك وتأمين الجبهة الداخلية، وهو ما عمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم من خلال توحيد الصفوف وترسيخ روابط الأخوة والتعايش وتنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع، حتى انتقل بعد ذلك إلى التعامل مع التحديات الخارجية، ولا سيما بعد غزوة الأحزاب، حين قال صلى الله عليه وسلم: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم"، وهو ما يعكس انتقال الدولة الإسلامية إلى مرحلة جديدة من التعامل مع التحديات المحيطة بها، بعد أن نجح النبي صلى الله عليه وسلم في تعزيز تماسك الجبهة الداخلية ومواجهة مصادر الاضطراب والتهديد.
زواج النبي من السيدة جويرية
وأضاف الدكتور صلاح عاشور، أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة جويرية رضي الله عنها كان سببا في خير عظيم لقومها، فقد أعتق المسلمون من كان بأيديهم من أسرى بني المصطلق، وقالوا: "أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فلم يبق في أيديهم أسير من بني المصطلق إلا أعتقوه، فكان زواجها رضي الله عنها سببا في تحرير قومها ودخولهم في قوة الإسلام، ولذلك قالت السيدة عائشة رضي الله عنها في فضلها: "فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها".
كما تميزت السيدة جويرية رضي الله عنها بكثرة العبادة والذكر، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟" قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته".
وفي هذا الموقف تتجلى عظمة الذكر النبوي في جمع المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، كما يكشف عن شدة حرص أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها على العبادة والذكر، وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليمها ما يجمع لها عظيم الأجر في كلمات يسيرة.
من جانبه، قال الدكتور نادي عبد الله، إن السيدة جويرية بنت الحارث كان لها موقف عظيم يكشف عن مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه وأهل بيته، فقد كان أبوها الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، فلما علم بأمر ابنته وما آلت إليه حالها، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يفديها، وقال إن ابنته لا ينبغي أن تسبى، وإنه رجل من أكرم الناس، فكان من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وحسن معاملته أن قال له: "أرأيت إن خيرناها؟"، في إشارة إلى أن الأمر متروك لها لتختار ما تراه، دون إكراه أو إجبار.
ثم ذهب الحارث إلى ابنته، وقال لها: إن هذا الرجل يخيرك في أمرك، فلا تفضحيني ولا تختاري غيري، لكنها أجابت إجابة تكشف عن عظيم محبتها للنبي صلى الله عليه وسلم وإيثارها القرب منه، فقالت: "والله لا أختار على رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وهنا تتجلى الرحمة النبوية في أسمى صورها، كما تتجلى مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في قلوب من عرفوه، حيث لم يكن إيمانهم به مجرد معرفة أو قول، وإنما كان محبة واتباعا واختيارا لطريقه.
وأضاف الدكتور نادي عبد الله، أن هذا الموقف يحمل درسا عظيما للنساء والرجال جميعا، في الاقتداء بالسيدة جويرية رضي الله عنها، التي انتقلت من حال الأسر إلى أن أصبحت أما للمؤمنين، وصارت زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت سيرتها نموذجا في العبادة والطاعة والإقبال على الله تعالى، ومن هنا فإن المرأة المسلمة تستطيع أن تستلهم من حياتها معنى الثبات على الإيمان، وحسن الاختيار، وتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تجعل سيرتها قدوة وأسوة في العبادة والاستقامة، وهذا المعنى يؤكده قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"، بما يبين أن كمال الإيمان لا يتحقق إلا حين تتوافق رغبات الإنسان وأهواؤه مع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق والخير، فتكون المحبة الحقيقية للنبي صلى الله عليه وسلم محبة صادقة تظهر آثارها في السلوك والعمل والالتزام.

