ورد في مسألة هل قيام الليل يكون كل يوم ؟، أنه يُتاجر الصالحون المؤمنون بما يربو لهم عند ربّهم من الأعمال الصالحة؛ فينامون من الليل قليلاً، ويقومون باقي الليل؛ يناجون ربّهم، ويأنسون به في ظلمات الليل حين يسكن الناس؛ فيُورثهم -سبحانه وتعالى- رضاه، وحُبّه، ويُنوّر وجوههم، وبصيرتهم، ويرزقهم الإخلاص، والفِراسة.
هل قيام الليل يكون كل يوم
وجاء أنّ قيام الليل من الأعمال التي يُمتحَن بها إخلاص العبد؛ فلا منافق يقوم الليل، وهذا العمل هو أحد الأعمال التي تميّزت بها الأمّة الإسلاميّة، وتربّى عليها جيل الصحابة الأُوَل.
فقد فُرِض عليهم قيام الليل بداية الدعوة مدّة سنة كاملة، وعلى الرغم من أنّ الله -تعالى- رفع عنهم وجوبه، إلّا أنّهم استمرّوا يقومونه، وكان النبيّ -عليه الصلاة والسلام- يُحذّر من تَركه؛ فقال مُوصِياً عَمْراً بن العاص -رضي الله عنه-: ( يَا عَبْدَ اللهِ، لا تَكُنْ بمِثْلِ فُلَانٍ كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ).
و قد كان النبيّ -عليه الصلاة والسلام- خير قُدوة في تعبُّده لله -تعالى- بقيام الليل؛ فقد كان يقومه حتى تتورّم قدماه، فقالت له عائشة -رضي الله عنها-: (لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رَسولَ اللَّهِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟ قالَ: أفلا أُحِبُّ أنْ أكُونَ عَبْدًا شَكُورًا).
وقت قيام الليل
يبدأ وقت قيام الليل بعدَ انتهاء صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثّاني، وعن متى يبدأ وينتهي وقت قيام الليل فإنه يفضل أن يكونَ وقت صلاة قيام الليل في الثّلث الأخير من اللّيل.
كما جاء في الحديث الصّحيح إذ يقول النّبي عليه الصّلاة والسّلام: «أحَبُّ الصّلاة إلى الله صلاة داود عليه السّلام، وأحَبُّ الصّيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف اللّيل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يومًا ويُفطر يومًا».
و يعني ذلك أنّه كان يصلّي السُدس الرّابع والسُدس الخامس، وإذا قام ففي الثّلث الأخير لما في ذلك فضل عظيم؛ لأنّ الله تعالى يَنزل إلى السّماء الدّنيا في هذا الجزء من اللّيل، إلا أنّها تجوز في أول الليل ووسطه وآخره أيضًا.
كلّ ذلك كما فعل رسول الله عليه الصّلاة والسّلام، فعن أنس بن مالك قال: «ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل مصليًا إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائمًا إلا رأيناه».
فضل قيام الليل كل يوم
ورد فيها أنه يُعَدّ قيام الليل من أجلّ العبادات، وأزكاها؛ لِما فيه من إخلاصٍ، وخشيةٍ لا تضاهيه فيها أيّ عبادةٍ أخرى، وعلى المسلم المُحِبّ لربّه، والذي يسعى إلى نَيْل رضاه.
ورد فيها أن المحافظة على قيام الليل لها معجزات عظيمة، منها ما ورد عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، من الفضائل الخمس، فقال: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد".
ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ ".

