قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

المفتي: مواجهة التطرف الفكري لا تقتصر على الإدانة وتبدأ ببناء عقل قادر على التمييز بين الحق والباطل

مفتي الجمهورية خلال القاء كلمته
مفتي الجمهورية خلال القاء كلمته

أكد  الدكتور، نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن مواجهة التطرف الفكري في العصر الرقمي تستلزم تجاوز الاكتفاء بإدانة الأفكار المنحرفة إلى بناء وعي راسخ وعقل قادر على التمييز بين الحق والباطل، والعلم والادعاء، والنصيحة والتضليل، مشددًا  على أن تكامل العلوم وتضافر جهود المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والإعلامية يمثلان ضرورة ملحة لترسيخ وسطية الإسلام، وحماية الأجيال من الاستقطاب، وتقديم خطاب علمي يجمع بين صحة التأصيل الشرعي، وفهم الواقع، ومواكبة مستجدات العصر.

جاء ذلك خلال كلمته في المؤتمر العلمي الأول لكلية البنات الأزهرية بالعاشر من رمضان، الذي يُعقد تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، بعنوان «تكامل العلوم في ترسيخ وسطية الإسلام ومواجهة التطرف الفكري في العصر الرقمي»، بحضور المهندس حازم الأشموني، محافظ الشرقية.

وتناول فضيلته أبعاد العلاقة بين الوسطية الإسلامية وتكامل المعارف، ودور المؤسسات العلمية في بناء الوعي، ومسؤولية الأجيال الجديدة في التعامل الرشيد مع التحولات الرقمية والفكرية المتسارعة، موضحًا أن التطور المتسارع في وسائل الاتصال غيَّر أدوات التأثير في الناس وطرائق تشكيل وعيهم؛ فأصبحت الأفكار تنتقل في لحظات بين المجتمعات، ولم تعد المواجهة الفكرية مقتصرة على الرد على خطاب متطرف أو تصحيح شائعة مضللة، بل امتدت إلى حماية الوعي ذاته، والنظر في مصادر المعرفة، وتنمية القدرة على التحقق من المعلومات وتمييز الصحيح من الزائف.

وأشار مفتي الجمهورية إلى أن مواجهة التطرف لا تتحقق بمجرد إدانته أو التحذير منه، وإنما تستلزم بناء العقل الذي يرفضه، وترسيخ الفهم الصحيح الذي يكشف مواطن الخلل في خطابه، وتقديم معالجة علمية تخاطب الإنسان بلغته، وتجيب عن أسئلته، وتفهم واقعه دون تفريط في ثوابت الدين أو إخلال بمقاصده؛ بما يجعل الوعي الصحيح خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار المنحرفة ومحاولات التضليل؛ إذ إن الوسطية تمثل منهجًا أصيلًا في رسالة الإسلام، وليست موقفًا عابرًا تفرضه الأزمات، ولا حلًّا وسطًا بين الحق والباطل، بدليل قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، والوسطية هنا تقوم على العدل والتوازن، ووضع الأمور في مواضعها، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتجمع بين الثبات على الأصول وحسن فهم الواقع، والالتزام بأحكام الشرع ومراعاة مقاصده، والتعامل الواعي مع المتغيرات دون تهاون في الثوابت أو غلو في الدين. ولا تعني الانغلاق على الذات والانفصال عن الواقع أو الذوبان فيه.

وأشار إلى أن اختيار المؤتمر موضوع تكامل العلوم يعكس إدراكًا لطبيعة التطرف بوصفه ظاهرة مركبة لا يمكن التعامل معها من خلال تخصص واحد أو أداة منفردة؛ إذ تضطلع علوم الشريعة بضبط فهم النصوص، وتحرير المفاهيم، وبيان مقاصد الأحكام، ووضع الفتوى في إطارها العلمي الصحيح، فيما تساعد علوم اللغة على إدراك دلالات النصوص وسياقاتها، وتجنب أخطاء الفهم والتأويل.

 وتسهم علوم النفس والاجتماع في تفسير دوافع الاستقطاب والبحث عن الانتماء، والعوامل التي تجعل بعض الشباب أكثر قابلية للتأثر بالخطاب المتطرف، كما تعمل علوم الفلسفة والمنطق على ضبط التفكير، في حين تتيح علوم الإعلام والاتصال والتقنية فهم البيئة الرقمية وآليات توجيه المحتوى ووسائل التأثير في المتلقين. وتعمل العلوم التربوية على بناء الشخصية المتوازنة، وتنمية التفكير الناقد، وترسيخ الحوار وتحمل المسؤولية؛ بما يؤكد أن التكامل بين المعارف ليس ترفًا أكاديميًّا، بل ضرورة لحماية الوعي وبناء الإنسان. وتحقيق هذا التكامل يقتضي إقامة منظومة متعاونة تتبادل فيها التخصصات الخبرات والمعارف؛ فلا ينفصل البحث الشرعي عن فهم الواقع، ولا تتقدم التقنية بمعزل عن القيم والأخلاق، ولا تتحمل المؤسسات التعليمية وحدها مسؤولية بناء الوعي دون شراكة مع المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية.

وأوضح أن الغاية والهدف من هذا التكامل هو إعداد إنسان يعرف دينه معرفة صحيحة، ويفهم عصره فهمًا واعيًا، ويمتلك أدوات التمييز والاختيار وتحمل المسئولية، وفي هذا الإطار، تضطلع دار الإفتاء المصرية بمسؤوليتها العلمية والوطنية في تعزيز التكامل بين العلوم، ومواجهة الأفكار المنحرفة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتقديم الفتوى المنضبطة التي تستند إلى العلم، وتراعي واقع الناس ومستجدات حياتهم، مع إدراك أهمية الحضور الرقمي للمؤسسات الدينية وضرورة وصول خطاب العلم والوسطية إلى المنصات الإلكترونية بلغة واضحة، وأدوات عصرية، ومحتوى موثوق يجمع بين التأصيل الشرعي والقدرة على مخاطبة الجمهور.

نشر الوعي الديني والرد على الشبهات

وأكد أن دار الإفتاء المصرية تعمل من خلال موقعها الإلكتروني وتطبيقاتها ومنصاتها الرقمية، على نشر الوعي الديني، والرد على الشبهات، وتصحيح المفاهيم، والتعامل مع القضايا المستجدة، ومنها المعاملات الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تنفيذ الحملات التوعوية التي تسهم في تعزيز الفهم الصحيح للدين. مؤكدًا أن التواصل المباشر مع الجمهور، والإجابة عن أسئلته، والاستماع إلى القضايا التي تشغله، تمثل جوانب مهمة من الوقاية الفكرية؛ لأن ترك الأسئلة دون إجابات علمية موثوقة قد يفتح المجال أمام من يقدمون إجابات مضللة أو متشددة. ومن ثم، فإن معركة الوعي لا تُحسم بمجرد الرد على الشبهات، بل تتطلب عملًا مؤسسيًّا مستمرًّا يشمل صناعة المحتوى العلمي، وتأهيل الكوادر، وتطوير وسائل التواصل، ورصد الخطاب المنحرف، وتعزيز التعاون مع المؤسسات التعليمية والبحثية؛ بما يضمن حضور المعرفة الرشيدة في الفضاء الرقمي وقدرتها على مواجهة الخطاب المتطرف.

ووجَّه فضيلته رسالة إلى طالبات الكلية، مؤكدًا أنهن لسن مجرد متلقيات للمعرفة، بل شريكات في صناعة الوعي، وحاملات لرسالة العلم، وقادرات على الإسهام في بناء أسرة واعية، ومجتمع متماسك، ووطن يعتز بهويته وينفتح على معارف عصره، موضحًا أن العلم الذي يتلقينه أمانة ومسؤولية تستلزمان التحقق من مصادر المعلومات، وتمحيص الأفكار، وحسن توظيف المعرفة، وعدم السماح لمنصات التواصل بمصادرة العقول، أو تحويل الاختلاف إلى خصومة، أو جعل الإثارة بديلًا عن الحقيقة. 

الوسطية لا تعني ضعف الشخصية

مشيرًا إلى أن الوسطية لا تعني ضعف الشخصية، وأن الحوار لا يعني التنازل عن الثوابت، وأن الاعتزاز بالدين لا يتعارض مع احترام الإنسان، مؤكدًا أن قوة الحجة أبلغ أثرًا من ارتفاع الصوت. 

كما شدد على الدور المحوري للمؤسسات التعليمية الأزهرية في تشكيل الوجدان، وبناء الشخصية، وغرس المسؤولية والانضباط واحترام الدليل، وعلى أهمية تكامل جهود الجامعة مع الأسرة والمؤسسات الدينية والثقافية لحماية الأجيال من التضليل والاستقطاب.

واختتم مفتي الجمهورية كلمته بالتأكيد أن ترسيخ وسطية الإسلام ومواجهة التطرف الفكري مسؤولية جماعية تتجاوز جهود الأفراد والمؤسسات والتخصصات المنفردة، وتستند إلى الإيمان بأن العلم مصدر للقوة والتقدم، وأن الأخلاق هي الضابط الذي يوجه هذه القوة نحو الإصلاح والبناء، وأن الإنسان يظل الغاية الأساسية لكل جهد علمي أو تنموي، مشددًا على ضرورة مواكبة ميادين المعرفة الحديثة دون التفريط في البوصلة الأخلاقية، وتحويل تكامل العلوم إلى ممارسة عملية تعزز الفهم الصحيح، وتدعم حضور المؤسسات التعليمية في تشكيل الوعي، وتوظف الفضاء الرقمي في نشر المعرفة الرشيدة، وتجعل من وسطية الإسلام منهجًا متكاملًا في التفكير والسلوك، قادرًا على حماية العقول، وصيانة الأوطان، وبناء الإنسان.

من جانبه، أشاد المهندس حازم الأشموني، محافظ الشرقية، بزيارة فضيلة مفتي الجمهورية، مثمنًا الدور العلمي والدعوي الذي تضطلع به دار الإفتاء المصرية في نشر الفكر الوسطي المستنير، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، ومواجهة الأفكار المتطرفة، وتعزيز الوعي الديني والمجتمعي، كما نوَّه بإسهامات فضيلته في ترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، وتأكيد أهمية تكامل العلوم والتخصصات في بناء الإنسان وحماية المجتمع من الانحرافات الفكرية، لا سيما في ظل التحديات المتسارعة التي يفرضها العصر الرقمي.