في ظل تصاعد التهديدات التي تواجه السعودية على خلفية الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي تشنها الفصائل اليمنية، وما تثيره من مخاوف بشأن أمن المطارات والمنشآت الحيوية والملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تتزايد التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود القدرات العسكرية للفصائل اليمنية، واحتمالات اتساع نطاق المواجهة إقليميًا.
وفي هذا السياق، قال فولفجانج بوزستاي، مستشار الدفاع النمساوي السابق والمحلل المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إن الفصائل اليمنية تتبع استراتيجية مزدوجة في هجماتها على السعودية، تستهدف من خلالها الضغط على الاقتصاد السعودي وإجبار الرياض على الانسحاب من اليمن، بالتوازي مع استهداف القواعد العسكرية، ولا سيما الجوية، للحد من قدرة المملكة على دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

وأوضح بوزستاي، في حوار خاص مع «صدى البلد»، أن القدرات الصاروخية والهجومية للفصائل اليمنية ربما شهدت تراجعًا، لكنه حذر من أن استهداف المطارات المدنية قد يحقق تأثيرًا استراتيجيًا كبيرًا حتى باستخدام عدد محدود من الصواريخ، نظرًا إلى ما يترتب عليه من اضطراب حركة الطيران وارتفاع المخاطر التي تواجه شركات الطيران.
وأشار مستشار الدفاع النمساوي إلى أن التهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب انعكست سلبًا على التجارة العالمية وأسعار النفط، لافتًا إلى أن الصين والهند ومصر وأوروبا من بين الأطراف الأكثر تأثرًا بهذه التطورات، مع احتمال لجوء الفصائل اليمنية مستقبلًا إلى فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق، على غرار ما أشار إليه بشأن النهج الإيراني.
وفيما يتعلق بالدور الإيراني، اعتبر بوزستاي أن طهران تظل الداعم الدولي الأهم للفصائل اليمنية، إلا أن قدرتها على التأثير المباشر في مسار الحرب الحالية تظل محدودة، مؤكدًا أن أولويات الفصائل الداخلية في اليمن تتقدم على اعتبارات التنسيق مع إيران.
ورجح بوزستاي أن تتجه السعودية إلى تصعيد عملياتها العسكرية خلال المرحلة المقبلة، مع التركيز على تعزيز الدفاعات الجوية والتصدي للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بالتوازي مع دعم القوات اليمنية المعترف بها دوليًا، وتأمين مأرب وحقول النفط، ومحاولة فك الحصار عن مدينة تعز واستعادة مواقع على الساحل الغربي.
كما أشار إلى احتمال بحث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مسألة نشر قوات إماراتية في اليمن، معتبرًا أن العمليات البرية ستحتاج إلى قوات مدربة ومؤهلة، إلى جانب القوة الجوية.
_1829_122405.jpg)
وشدد مستشار الدفاع النمساوي على أهمية تعزيز حماية السفن التجارية في البحر الأحمر، بما في ذلك بحث نشر مزيد من السفن الحربية لمرافقة السفن المدنية إلى جانب المهمة البحرية الأوروبية «أسبيدس»، محذرًا من أن الخيارات الدبلوماسية قد لا تحقق اختراقًا في الوقت الراهن، في ظل محدودية أدوات الضغط المتاحة على الفصائل اليمنية.
وفيما يلي نص الحوار:
1. كيف تقيمون التصعيد الأخير للفصائل اليمنية ضد الرياض ومطار الملك خالد الدولي؟ وهل يعكس تحولًا في استراتيجيتها نحو استهداف البنية التحتية للطيران والمنشآت الحيوية السعودية، أم أنه يهدف بالأساس إلى ممارسة ضغوط عسكرية وسياسية على خلفية تطورات الصراع في اليمن؟
تتبع الفصائل اليمنية، في حدود قدراتها العسكرية، استراتيجية مزدوجة من خلال هجماتها على السعودية.
يتمثل الهدف الرئيسي من الضربات بعيدة المدى في إجبار السعوديين على الانسحاب من اليمن. وتحقيقًا لهذه الغاية، تستهدف الفصائل منشآت البنية التحتية للهيدروكربونات والمطارات المدنية، بهدف إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالاقتصاد السعودي.
وفي المقابل، تستهدف هجماتها القواعد العسكرية في جنوب السعودية، ولا سيما القواعد الجوية، تقليص قدرة المملكة على دعم الحكومة اليمنية، خصوصًا فيما يتعلق باستخدام القوة الجوية.
_1829_121929.jpg)
2. إلى أي مدى تمتلك الفصائل اليمنية قدرات تسمح لها بمواصلة استهداف العمق الاستراتيجي السعودي بالصواريخ والطائرات المسيّرة؟ وما مدى فاعلية منظومات الدفاع الجوي السعودية في احتواء هذه الهجمات؟ وهل يمكن أن تدفع هذه التطورات الرياض إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية داخل اليمن؟
من المرجح أن الفصائل اليمنية لم يتبق لديها سوى عدد محدود من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، التي يتراوح مداها بين 300 و1000 كيلومتر، وعدد أقل من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى، التي يتراوح مداها بين 1000 و3000 كيلومتر. كما يُرجح أن مخزونها من الطائرات المسيّرة بعيدة المدى قد استُنزف إلى حد كبير.
وبناءً على ذلك، لا تستطيع هذه الفصائل شن هجمات إغراقية واسعة بالصواريخ على الأهداف المحمية بشدة. ولذلك، تلجأ إلى إطلاق صواريخ منفردة نحو أهداف يُرجح أنها أقل حماية، بما في ذلك العديد من المواقع المدنية، بهدف تعظيم التأثير الاستراتيجي للهجمات.
فعلى سبيل المثال، قد تكفي بضعة صواريخ لاستهداف مطار الملك خالد الدولي لإرباك حركة الطيران المدني. ومن المرجح أن تحجم شركات طيران عديدة عن المخاطرة بتعريض طائراتها لهجمات صاروخية أثناء اقترابها من الرياض، حتى إذا كانت منظومة الدفاع الجوي المحلية للمطار تعمل بصورة سليمة.
ويركز نظام الدفاع الصاروخي الباليستي السعودي بالأساس على إيران. إذ لا تستطيع بعض منظومات الرادار، وكذلك صواريخ «باتريوت PAC-3»، تغطية سوى زاوية محدودة تبلغ نحو 120 درجة في السمت. ولذلك، يُرجح أن السعودية تعيد حاليًا توجيه جزء من منظومة دفاعها الصاروخي الباليستي نحو اليمن، ومن المتوقع اعتراض معظم الصواريخ التي تستهدف الرياض في وقت قريب.
ومع ذلك، ستظل هناك مشكلة إذا كانت الفصائل اليمنية لا تزال تمتلك صواريخ باليستية فرط صوتية، إذ سبق لها إطلاق بعض هذه الصواريخ باتجاه إسرائيل.
ومن المفترض أن تكون صواريخ منظومة الدفاع الجوي الأمريكية «ثاد» (THAAD)، العاملة في الخدمة السعودية، قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية فرط الصوتية في ظل الظروف المناسبة، في حين لا تتمتع صواريخ «باتريوت PAC-3» بفاعلية كبيرة في مواجهة هذه الأسلحة.

3. في ظل تهديدات الفصائل اليمنية للملاحة البحرية وفرض قيود تستهدف السفن المرتبطة بالسعودية، كيف تقيمون المخاطر الأمنية الحالية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر؟ وهل اكتسبت هذه الفصائل أوراق ضغط استراتيجية تمكّنها من تعطيل التجارة الدولية وإمدادات الطاقة؟
في الوقت الراهن، اقتصرت تهديدات الفصائل اليمنية على السفن السعودية والسفن الأخرى القادمة من الموانئ السعودية أو المتجهة إليها.
أما السفن الأخرى، بما فيها السفن الأمريكية والإسرائيلية، فيُسمح لها بالمرور عبر المضيق.
وبالنظر إلى الأولويات الاستراتيجية لهذه الفصائل، والمتمثلة في إجبار السعوديين على الانسحاب من اليمن وإسقاط الحكومة المعترف بها دوليًا، فلن يكون من المنطقي بالنسبة إليها مهاجمة سفن هذه الدول ما دامت حكوماتها لا تنضم إلى الحرب ضدها. ومع ذلك، قد يتغير الوضع تبعًا للتطورات المستقبلية، ولا سيما إذا دخلت الولايات المتحدة الصراع بصورة مباشرة.
_1829_122743.jpg)
وقد انعكست الأوضاع في مضيق باب المندب والهجوم على خط أنابيب النفط السعودي بالفعل بصورة سلبية على أسعار النفط والتجارة العالمية، خصوصًا حركة الملاحة عبر قناة السويس.
وتشمل الأطراف الأكثر تأثرًا بهذه التطورات الصين والهند ومصر وأوروبا، لكن ذلك لن يكون كافيًا لردع الفصائل اليمنية أو تغيير حساباتها.
بل ليس من المستبعد أن تحذو هذه الفصائل حذو إيران، وتطالب في مرحلة لاحقة بفرض رسوم على جميع السفن التي تعبر المضيق.

4. ما الدور الذي يمكن أن تؤديه إيران في التصعيد الحالي للفصائل اليمنية؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتطور الهجمات على الرياض والتهديدات للملاحة البحرية في البحر الأحمر إلى مواجهة إقليمية أوسع، تربط بين أمن الخليج وأمن الممرات البحرية الدولية؟
على الرغم من أن إيران تُعد بفارق كبير أهم داعم دولي للفصائل اليمنية، فإن نفوذها المباشر في الحرب الحالية يظل محدودًا. وفي حين تتشارك الفصائل اليمنية مع إيران الأهداف المتعلقة بإسرائيل والولايات المتحدة، فإن أجندتها الداخلية تحظى بأهمية أكبر بالنسبة إليها.
وحتى إذا وافقت الولايات المتحدة على جميع المطالب الإيرانية، فلن تنسحب الفصائل اليمنية من مضيق باب المندب، ولن تنهي الحصار المفروض على السفن السعودية.
وفي الواقع، أعربت إيران عن قلقها إزاء الأوضاع في اليمن والسعودية، وعرضت التوسط بين أطراف الصراع. ومع ذلك، فمن المرجح بدرجة أكبر أن تنظر طهران إلى هذه التطورات باعتبارها فرصة لتعزيز نفوذها في شبه الجزيرة العربية، رغم أنها لا تستطيع بالتأكيد التحكم في تحركات الفصائل اليمنية بصورة مباشرة، أو توجيهها وفقًا لإرادتها متى شاءت، إذ تسعى هذه الحركة بوضوح إلى الحفاظ على زخمها الحالي ومواصلة تحركاتها.
وفي حال استئناف الولايات المتحدة شن غارات جوية مكثفة على إيران، فمن المرجح أن تسعى طهران إلى دفع الفصائل اليمنية لتنفيذ هجمات على الملاحة البحرية الدولية. ومع ذلك، لا يُرجح أن تستجيب الفصائل اليمنية للمطالب الإيرانية في هذا الشأن.
_1829_122343.jpg)
5. في ظل التهديدات المتزامنة للمجال الجوي السعودي والملاحة البحرية في البحر الأحمر، ما السيناريوهات الأمنية والعسكرية الأكثر ترجيحًا خلال الفترة المقبلة؟ وما الإجراءات التي ينبغي للسعودية وشركائها الإقليميين والدوليين اتخاذها لحماية الممرات البحرية وردع الهجمات ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع؟
من المتوقع أن تصعّد السعودية الحرب، وفي المقام الأول، ستحتاج المملكة إلى تعزيز دفاعاتها في مواجهة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. وفي حين لا تمتلك سوى دول قليلة منظومات فعالة حقًا للدفاع ضد الصواريخ الباليستية، مثل اليونان، التي نشرت بطارية «باتريوت PAC-3» أثبتت فاعليتها القتالية بالقرب من ميناء ينبع على البحر الأحمر، تمتلك جيوش عديدة أخرى قدرات يمكن استخدامها في التصدي للطائرات المسيّرة.
ومن المرجح أن يتمثل الهدف العسكري السعودي في اليمن في تثبيت خطوط المواجهة، وإنهاء الحصار المفروض على مدينة تعز الجبلية المهمة في غرب البلاد، وهي ثالث أكبر المدن اليمنية، ودفع الفصائل اليمنية إلى التراجع على امتداد السهل الساحلي الغربي، مع مواصلة الدفاع عن مأرب وحقول النفط في شمال وسط اليمن.
وسيتطلب تحقيق هذه الأهداف الاعتماد ليس فقط على القوة الجوية، بل أيضًا على عدد كبير من القوات البرية المدربة جيدًا.
ومن المرجح أن يتواصل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لبحث نشر قوات إماراتية في اليمن.

وحتى عام 2019، كان لدى الإمارات نحو 5000 جندي من القوات البرية، بينهم قوات مشاة آلية ودبابات قتال رئيسية ووحدات مدفعية، شاركوا في عمليات قتالية ناجحة ضد الفصائل اليمنية. غير أنه عادت القوات الإماراتية المتبقية إلى بلادها في أواخر عام 2025 أو أوائل عام 2026.
وفي المقابل، ستسعى الفصائل اليمنية إلى السيطرة على تعز، مع الحفاظ على مواقعها على امتداد البحر الأحمر، ومواصلة الضغط على قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا في مأرب، التي تُعد المنطقة الرئيسية لإنتاج النفط والغاز في اليمن.
وما دامت الدول الأخرى لا تشارك بصورة مباشرة في الحرب ضد الفصائل اليمنية، فمن غير المرجح أن تستهدف هذه الفصائل سفن تلك الدول في البحر الأحمر.
ومع ذلك، فإن نشر مزيد من السفن الحربية لمرافقة السفن المدنية، إلى جانب مهمة الاتحاد الأوروبي البحرية «أسبيدس» الموجودة بالفعل في المنطقة، سيكون خطوة منطقية ومفيدة.
وفي ظل محدودية الخيارات المتاحة لممارسة الضغط على الفصائل اليمنية، فمن غير المرجح أن تحقق الجهود الدبلوماسية اختراقًا في الوقت الراهن.
