يثير الخطاب الإعلامي المستخدم في المناسبات الدينية بمصر جدلًا متجددًا، لا بسبب نواياه، وإنما بسبب دلالاته اللغوية العميقة وما تحمله بعض العبارات من إيحاءات قد ترسخ -عن دون قصد لفكرة- التمايز داخل المجتمع الواحد.
فعناوين مثل: «تهنئة الإخوة المسيحيين» أو «الإخوة الأقباط» أو «شركاء الوطن»، على شيوعها وكثرة تداولها، تطرح تساؤلًا مشروعًا: هل نحن فعلًا أمام شركاء مختلفين داخل وطن واحد؟ أم أمام شعب واحد متعدد الديانات؟
المواطنة أولًا: مصريون بلا تصنيفات
الحقيقة الدستورية والتاريخية تؤكد أن المصريين كيان واحد، لا يتجزأ على أساس الدين، فالمسلم والمسيحي في مصر لا يجمعهما “تحالف” أو “شراكة” بين طرفين مختلفين، بل هوية وطنية واحدة، هي الهوية المصرية.
وهذا ما أكد عليه الدستور المصري الصادر عام 2014، فقد نص صراحة في مادته الأولى على أن:
«جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة… تقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون».
كما أكدت المادة (53) على المساواة التامة بين المواطنين دون تمييز بسبب الدين أو العقيدة، وعليه فإن استخدام تعبيرات توحي بوجود «مكوّنين» أو «عنصرين» داخل الدولة، يتناقض مع هذا الأساس الدستوري.
التهنئة… من مصري إلى مصري
في السياق الاجتماعي الطبيعي لا يهنئ «مسلمٌ مسيحيًّا» بقدر ما يهنئ مصريٌ مصريًّا بمناسبة تخصه، اختلاف الأعياد لا يعني اختلاف الانتماء، بل يعكس تنوعًا داخل وحدة واحدة.
ومن هنا، يصبح التساؤل مشروعًا:
ما الحاجة إلى عبارات مثل «الإخوة أو الشركاء أو الأقباط» إذا كانت ترسّخ -ولو لغويًا- لفكرة الانفصال والتمايز؟
أليس من الأجدى، والأدق وطنيًّا، استخدام صيغ جامعة مثل:
- رئيس الجمهورية يهنئ المواطنين بمناسبة عيد الميلاد المجيد
- شيخ الأزهر يزور البابا تواضروس ويهنئ المصريين بعيد الميلاد
- البابا تواضروس يهنئ المواطنين بمناسبة عيد الفطر أو عيد الأضحى
هذه الصياغات لا تلغي الخصوصية الدينية، لكنها تُعلي من شأن المواطنة بوصفها المظلة الجامعة.
إشكالية مصطلح «الأقباط»: قراءة تاريخية
من المصطلحات التي تستدعي مراجعة واعية أيضًا، مصطلح «الأقباط»؛ فبحسب الدراسات التاريخية واللغوية، فإن كلمة «قبط» مشتقة من الكلمة اليونانية Aigyptios، والتي كانت تعني المصريين جميعًا دون تمييز ديني، وهو ما أشار إليه عدد من المؤرخين مثل المقريزي ويوسفيوس القيصري.
غير أن استخدام المصطلح تغيَّر بعد دخول الإسلام إلى مصر، فأصبح يُستخدم للدلالة على المصريين الذين ظلوا على المسيحية، وهو تحول تاريخي فرضته ظروف اجتماعية وسياسية، لا حقيقة الأصل أو الانتماء.
ومن هنا يبرز سؤال معاصر:
هل ما زلنا في عام 2026 بحاجة إلى مصطلح يُفرِّق بين مصري ومصري على أساس العقيدة؟
نحن هوية واحدة… وتاريخ مشترك
الحقيقة التي لا خلاف عليها أن جميع المصريين ينحدرون من أصل حضاري واحد، وأن التنوع الديني لم يكن يومًا سببًا للانقسام بقدر ما كان مصدرًا للثراء الثقافي والاجتماعي.
المسلم والمسيحي في مصر، منتميان للوطن، جيران في السكن، زملاء في العمل، وقبل كل شيء هم مصريون، يجمعهم اسم الدولة، وتحميهم المواطنة، ويظلهم القانون.
مسئولية الإعلام واللغة
إن الإعلام، بوصفه صانعًا للوعي الجمعي، مُطَالَب اليوم أكثر من أي وقت مضى بمراجعة لغته، ليس من باب الرقابة أو التقييد، بل من باب الدقة الوطنية، فالكلمات ليست بريئة دائمًا، وبعضها -وإن بدا إيجابيًا- قد يرسِّخ مفاهيم نحن في غنى عنها.
توحيد المسمّى ليس إلغاءً للاختلاف، بل حماية للوحدة.