تحل علينا اليوم، الأربعاء، ذكرى وفاة الأديب والكاتب الكبير إبراهيم أصلان، أحد أبرز رموز جيل الستينيات في الأدب المصري، الذي رحل عن عالمنا في السابع من يناير عام 2012 بعد مسيرة إبداعية تركت أثرا عميقا في القصة والرواية العربية، وارتبط اسمه بالبساطة الصادقة والقدرة الفريدة على التقاط تفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى أدب رفيع.
ولد إبراهيم أصلان في الثالث من مارس عام 1935 بمحافظة الغربية، وتحديدا في قرية شبشير الحصة التابعة لمركز طنطا، لكنه نشأ وتربى في القاهرة، في حي إمبابة ومنطقة الكيت كات، وهما المكانان اللذان شكلا عالمه الإبداعي الأساسي، وظل حضورهما طاغيا في معظم أعماله الأدبية.
عاش أصلان سنوات طويلة في الكيت كات، ثم انتقل إلى الوراق، قبل أن يقيم في المقطم في سنواته الأخيرة، إلا أن ذاكرة الحي الشعبي بقيت المصدر الأهم لشخصياته وحكاياته.
لم يحظَ إبراهيم أصلان بتعليم منتظم منذ صغره، فقد التحق بالكتاب، ثم تنقل بين عدة مدارس، واستقر لفترة في مدرسة لتعليم فنون السجاد قبل أن يتركها ويلتحق بمدرسة صناعية.
هذا المسار غير التقليدي لم يمنعه من تكوين ثقافة عميقة، بل أسهم في تشكيل نظرته الخاصة إلى العالم، وانعكس على لغته البسيطة والمكثفة التي ميزت كتاباته.
بدأ حياته العملية بالعمل في هيئة البريد، حيث عمل لفترة كبوسطجي ثم موظفا في أحد مكاتب البريد، وكانت هذه التجربة مصدر إلهام لمجموعته القصصية الشهيرة «وردية ليل» 1992، التي قدم فيها عالم الموظفين الليليين وحياتهم الصامتة بقدر كبير من الإنسانية والصدق.
في تلك الفترة، ربطته علاقة وثيقة بالأديب الكبير يحيى حقي، الذي آمن بموهبته ولازمه حتى سنواته الأخيرة، ونشر له العديد من أعماله في مجلة «المجلة» التي كان يرأس تحريرها.
ظهرت أعمال إبراهيم أصلان القصصية في أواخر الستينيات، ولاقت ترحيبا نقديا كبيرا، وكانت مجموعته الأولى «بحيرة المساء» بمثابة إعلان مبكر عن صوت أدبي مختلف، يعتمد على التكثيف والاقتصاد في اللغة، ويركز على التفاصيل الصغيرة والدلالات العميقة.. وعلى الرغم من قلة إنتاجه نسبيا، فإن كل عمل كان يحمل خصوصية فنية واضحة.
جاءت رواية «مالك الحزين» عام 1983 لتشكل علامة فارقة في مسيرته، إذ أدرجت ضمن أفضل مائة رواية في الأدب العربي، وحققت له شهرة واسعة تجاوزت حدود النخبة الثقافية إلى الجمهور العام، خاصة بعد تحويلها إلى فيلم «الكيت كات» من إخراج داود عبد السيد، وبطولة محمود عبد العزيز، وهو الفيلم الذي حقق نجاحا كبيرا وأعاد تسليط الضوء على عالم إبراهيم أصلان الإبداعي. كما تحولت روايته «عصافير النيل» إلى عمل سينمائي حمل الاسم نفسه.
ينتمي إبراهيم أصلان إلى جيل الستينيات الذي سعى إلى تجديد شكل السرد وتقديم رؤية مختلفة للواقع، وكان يتميز بمحلية شديدة في كتاباته، إذ استمد شخوصه من الحي الشعبي الذي عاش فيه، ورسم الأزقة والحارات بحس بصري دقيق، يجعل القارئ يشعر وكأنه يعيش داخل النص ويتحرك بين شخوصه.
تنوعت أعمال إبراهيم أصلان بين القصة القصيرة والرواية، وجاءت جميعها معبرة عن عالمه الخاص القائم على التكثيف والهدوء ورصد التفاصيل اليومية.
بدأت تجربته القصصية مبكرا بمجموعته "بحيرة المساء"، ثم قدم عددا من المجموعات البارزة، من بينها "يوسف والرداء" 1987.
وفي الرواية، قدم أعمالا مهمة مثل "عصافير النيل"(1999)، و"خلوة الغلبان"(2002)، و"حكايات من فضل الله عثمان"(2003) التي نال عنها جائزة ساويرس، وصولا إلى "شيء من هذا القبيل" (2007) و"حجرتان وصالة"( 2010).
شغل إبراهيم أصلان عددا من المناصب الثقافية، منها رئاسته للقسم الأدبي بجريدة الحياة اللندنية في أوائل التسعينيات، كما تولى رئاسة تحرير بعض السلاسل الأدبية بالهيئة العامة لقصور الثقافة.
حصل إبراهيم أصلان على عدد من الجوائز المهمة، من بينها جائزة طه حسين من جامعة المنيا عن رواية «مالك الحزين» عام 1989، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2003، وجائزة كفافيس الدولية عام 2005، إضافة إلى جائزة ساويرس عن رواية «حكايات من فضل الله عثمان» عام 2006.
رحل إبراهيم أصلان عن عمر ناهز 77 عاما، لكنه ترك وراءه تراثا أدبيا غنيا، يتميز بالهدوء والعمق والصدق، ويؤكد أن الأدب الحقيقي قادر على أن يولد من التفاصيل الصغيرة، ومن الأزقة البسيطة، ليبقى حيا في الذاكرة الثقافية العربية.