عادة ما أتوجه بالحديث إلى الأمهات راجية ً إياهن التحلي بالصبر والتعاطف والرحمة مع الأبناء. ولكني اليوم أتوجه إليهن ملتمسة منهن التمسك بالرحمة بأنفسهن، بل وتدليلها لبعض الوقت.
فبنفس منطق إرشادات الطواريء في الطائرات، والتي تقضي بوضع قناع الأكسجين للنفس أولاً للتمكن من مساعدة الغير، فلابد لكل أم أن تحصل على قدر كاف من الراحة الجسدية، وأن تملأ وعائها النفسي والروحي بما تحب لكي تتمكن من ملئ أوعية أولادها، بل والأسرة كلها، حباً وحناناً وعطاءاً لا ينضب.
في نظري، كل أم هي بطلة خارقة، بما تتحمله من التزامات وما يثقل كاهلها من أعباء ومسؤوليات تحتاج جهداً مضنياً وحكمة بالغة وتضحية خالصة. ولكي تستطيع كل أم القيام بهذا الدورالعظيم، ولكي تتمكن من مواصلته والاستمرار فيه، عليها أن تقتطع بعض الوقت لنفسها يوميا أو حتى أسبوعياً للقيام بشيء يسعدها، حتى وإن كان هذا الأمر في بساطة فنجان قهوة تحتسيه في هدوء بعيدا ً عن، ورغم أنف، الضغوط، لكي لا يفيض بها الكيل، وينصب على رأسها ورأس أولادها.
وفي سياق ورش العمل والتدريبات التفاعلية الخاصة بالتربية الإيجابية، يطلب أحياناً من كل أم تخيل وعاءها الزجاجي والأشياء التي يمكن أن تملأه بها لإعادة شحن طاقتها الداخلية. فالبعض قد تسعدهن قراءة كتاب، وآخريات تتجدد طاقتهن بلقاء الأصدقاء، أو المشي أو ممارسة الرياضة، بينما قد تكتفي بعضهن بالجلوس في هدوء، وهكذا.
قد يبدو كلامي مثاليا بعض الشيء، في خضم أحداث وأعباء اليوم المتلاحقة، ولكن بكل تأكيد الترفيه ليس رفاهية، والراحة ليست ذنباً، والمشاعر الإيجابية ضرورة ملحة، فنحن إن لم نعتن بأنفسنا، ونعطها الاهتمام الكاف، لن يكون لدينا الطاقة أو القدرة على الاعتناء بأولادنا وبمن نحب، أو على التحكم في أعصابنا وتصرفاتنا، وعلى مواصلة الرحلة بدأب.
ويتسق كل مع سبق، على بساطته، حتى مع مواثيق حقوق الإنسان! فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يغفل النص على الحق في الراحة وأوقات الفراغ، والمشاركة في الحياة الثقافية.
ووفقا لنظرية "التوسع والبناء" لعالمة النفس الأمريكية "باربرا فريدريكسون"، فإن المشاعر الإيجابية ، لا تجعلنا نشعر بالسعادة فقط، وإنما تساهم في توسيع طريقة التفكير والإدراك واتخاذ القرارات، وتشجيع الإبداع، والقدرةعلى إيجاد حلول للمشكلات، وتعزيز الصمود النفسي ومواجهة المشاعر السلبية وبناء المرونة والتفاؤل، مما يساعدنا مستقبلاً، وفي أوقات الضغط والأزمات، حتى بعد زوال الشعور الإيجابي.
وقد ركزت "فريدريكسون" في أبحاثها على "عشر مشاعر إيجابية"، أوضحت أنها تساهم في "التوسع والبناء"، وهي: الفرح (الشعور بالسعادة والمرح والانطلاق(، الامتنان ) تقدير ما نملكه وما يقدّمه لنا الآخرون)، الطمأنينة / السكينة) الشعور بالهدوء والرضا والسلام الداخلي والتواصل مع النفس(، الاهتمام / الفضول) الرغبة في التعلّم والاكتشاف(، الأمل )التطلّع لمستقبل أفضل رغم الصعوبات)، الفخر (الاعتزاز بالإنجازات والجهد الشخصي(، المتعة / الدعابة ) الضحك وخفة الدم والاستمتاع باللحظة( ، الإلهام (التأثر الإيجابي بما يحفّزنا لنكون أفضل(، الرهبة / الإعجاب ( الإحساس بعظمة شيء أكبر منّا مثل الطبيعة، القيم، الإنجازات الإنسانية)، الحب )مزيج من عدة مشاعر إيجابية في علاقات آمنة وداعمة.(
وبعيداً عن النظريات والتعقيدات، إلى كل أم، ابحثي عما يملأ "وعائك"، ويدلل روحك، ويجدد طاقتك، لكي تتمكني من الاستمرار في دورك النبيل الخارق، والذي بدونه لا تقوم المجتمعات، ولا تستقيم الحياة، ولا تنهض الأمم.