في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تعود فنزويلا مجددًا إلى واجهة المشهد العالمي، ليس فقط باعتبارها واحدة من أكبر الدول امتلاكًا لاحتياطي النفط في العالم، بل بوصفها ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح السياسية والاقتصادية للقوى الكبرى. الإعلان الأمريكي عن إتمام أول صفقة لشراء النفط الفنزويلي بقيمة 500 مليون دولار لم يكن حدثًا اقتصاديًا عابرًا، بل خطوة تحمل في طياتها أبعادًا سيادية واستراتيجية عميقة، خاصة في ظل الاضطرابات السياسية غير المسبوقة التي تعيشها البلاد.
وبينما تراقب الحكومة الفنزويلية تفاصيل هذه الصفقة بحذر شديد، تتصاعد التساؤلات داخل الأوساط السياسية والشعبية حول مستقبل الثروة النفطية، وحدود النفوذ الأمريكي، ومدى قدرة فنزويلا على حماية مواردها في خضم الضغوط الخارجية.
فنزويلا تراقب أول صفقة نفطية أمريكية
بحسب ما أعلنه مسؤول في الإدارة الأمريكية، فقد أنهت الولايات المتحدة مؤخرًا أول صفقة رسمية لشراء النفط الفنزويلي بقيمة تصل إلى 500 مليون دولار، وسط توقعات بإبرام صفقات إضافية خلال الأيام والأسابيع المقبلة. ورغم ضخامة الرقم، فإن الحكومة الفنزويلية لم تصدر حتى الآن بيانات تفصيلية توضح آليات الصفقة أو شروطها أو الأطراف المستفيدة منها.
صحيفة التيمبو الكولومبية أشارت إلى أن هذا الصمت الرسمي يعكس حالة من الترقب والقلق، خاصة أن الصفقة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بعد تطورات سياسية صادمة هزت الداخل الفنزويلي وأربكت المشهد بالكامل.
اعتقال مادورو واضطراب المشهد الداخلي
تأتي هذه الصفقة في أعقاب حدث غير مسبوق، تمثل في اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مطلع الشهر الجاري على يد قوات أمريكية، وهو تطور أحدث زلزالًا سياسيًا في البلاد، وأثار مخاوف واسعة تتعلق بالسيادة الوطنية ومستقبل النظام السياسي.
ويرى مراقبون أن هذا الحدث أعاد فتح ملف التدخل الخارجي في الشأن الفنزويلي، وألقى بظلاله الثقيلة على أي تحرك اقتصادي جديد، خصوصًا إذا كان مرتبطًا مباشرة بثروة البلاد النفطية، التي طالما شكلت عصب الاقتصاد وأحد رموز الاستقلال الوطني.
محاولة أمريكية للسيطرة على الثروة النفطية؟
من جانبها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، تايلور روجرز، إن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تسهيل “مناقشات إيجابية ومستمرّة” مع شركات النفط الراغبة في الاستثمار داخل فنزويلا، بهدف إعادة بناء البنية التحتية المتدهورة لقطاع الطاقة.
غير أن هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام، إذ اعتبرها منتقدون محاولة مقنّعة لبسط النفوذ الأمريكي على أحد أهم موارد البلاد الطبيعية. فبالنسبة لهم، لا يمكن فصل هذه التحركات الاقتصادية عن السياق السياسي والعسكري الذي تعيشه فنزويلا، ولا عن تاريخ طويل من الصراع بين واشنطن وكاراكاس.
نفط رخيص.. وأسئلة بلا إجابة
يزيد من تعقيد المشهد أن النفط الفنزويلي يُعرض حاليًا بأسعار أقل من نفط دول منافسة مثل كندا، ما يجعله جذابًا للشركات الأجنبية الباحثة عن تقليل التكلفة وتعظيم الأرباح. لكن هذا الإغراء التجاري يطرح في المقابل تساؤلات جوهرية حول نصيب فنزويلا الحقيقي من هذه الصفقات، ومدى استدامة العوائد الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد.
وفي هذا السياق، أبدى بعض التنفيذيين في شركات الطاقة الأمريكية، وعلى رأسهم دارين وودز الرئيس التنفيذي لشركة “إكسون موبيل”، تشككهم في جدوى الاستثمار داخل فنزويلا، مشيرين إلى غياب الأطر القانونية والتجارية الواضحة، وعدم القدرة على تقدير العائد الاستثماري بدقة.
محللون.. سيولة مؤقتة لا تعالج الأزمة
يرى محللون فنزويليون أن هذه الصفقات، رغم قدرتها على توفير سيولة مالية عاجلة، لن تكون كافية لمعالجة الأزمة الهيكلية العميقة التي يعاني منها قطاع الطاقة في البلاد. فالمشكلة لا تقتصر على نقص التمويل، بل تمتد إلى ضعف البنية التحتية، وهجرة الكفاءات، والعقوبات، والتدخلات الخارجية.
ويحذر هؤلاء من أن غياب الضمانات قد يؤدي إلى تسرب العوائد خارج البلاد، بدلًا من توجيهها لتحسين حياة المواطنين، ما يعمّق الشعور الشعبي بأن النفط لم يعد أداة للسيادة بقدر ما أصبح ورقة تفاوض في صراع دولي معقّد.
فنزويلا وإيران.. سيناريوهان مختلفان وأهداف متباينة
في هذا السياق، قدّم اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، تحليلاً يوضح الفروق الجوهرية بين السيناريو الأمريكي تجاه فنزويلا، وبين ما يجري التعامل به مع إيران، مؤكدًا أن لكل حالة أهدافًا وأدوات مختلفة، وأن الخلط بين النموذجين قد يؤدي إلى سوء تقدير خطير لطبيعة الصراع.
اختلاف السيناريوهات بين فنزويلا وإيران
أوضح اللواء سمير فرج في تصريحات خاصة لـ صدي البلد أن الحالة الفنزويلية كانت تقوم على وجود رئيس دولة تسعى أطراف خارجية إلى إزاحته والاستيلاء على مفاصل الدولة نفسها، بينما يختلف الأمر جذريًا في إيران. فالولايات المتحدة، بحسب تحليله، لا تستهدف إسقاط الدولة الإيرانية أو تفكيكها، وإنما تركز على هدف محدد يتمثل في إسقاط النظام السياسي القائم، وليس الكيان الوطني.
وأشار إلى أن هذا الفارق أساسي لفهم طبيعة التحركات الأمريكية، إذ إن إيران تُعد دولة ذات ثقل إقليمي وشعبي، ولا يمكن التعامل معها بنفس الأدوات التي استُخدمت في دول أخرى.
دعم داخلي أم ضغط خارجي؟
ولفت فرج إلى أن واشنطن تحاول استغلال حالة التوتر الداخلي داخل إيران، من خلال دعم أي حراك أو احتجاجات داخلية، وتوجيه رسائل مباشرة إلى الشارع الإيراني مفادها أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب الشعب. هذا الأسلوب يهدف إلى تغذية حالة الغضب الداخلي، ودفعها إلى التحول إلى ضغط سياسي على النظام.
إلا أنه شدد في الوقت نفسه على أن مثل هذه الضغوط قد تأتي بنتائج عكسية، موضحًا أن الشعوب عادةً ما تلتف حول دولتها عندما تشعر بوجود خطر خارجي. وقال إن التماسك الوطني في أوقات التهديد يصبح أقوى، وهو ما يجعل الرهان على انهيار داخلي سريع في إيران أمرًا غير مضمون.
حرب نفسية أم استعداد لضربة؟
وتساءل اللواء سمير فرج حول ما إذا كانت التصريحات الأمريكية المتصاعدة تمهيدًا لضربة عسكرية فعلية، أم أنها مجرد حرب نفسية تهدف إلى إرغام طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات. وأكد أن الضغوط الحالية دفعت إيران بالفعل إلى إرسال إشارات تفيد باستعدادها للتفاوض، رغم التصريحات المتشددة التي تُطلق للإعلام.
وأشار إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تكشف تناقضًا واضحًا بين الخطاب العلني المتشدد، وما يجري خلف الكواليس من اتصالات تفاوضية غير مباشرة، مؤكدًا أن الهدف الأمريكي النهائي هو إعادة إيران إلى اتفاق نووي جديد يضمن تقليص قدراتها النووية.
احتمالات الضربة العسكرية
وفي تقييمه لإمكانية توجيه ضربة عسكرية، اعتبر فرج أن الأمر بالغ الصعوبة في المرحلة الحالية، خاصة في ظل غياب مؤشرات عسكرية تقليدية، مثل حشد حاملات طائرات أمريكية في المنطقة. وأوضح أن أي ضربة حقيقية عادةً ما تسبقها استعدادات عسكرية واضحة، وهو ما لا يتوافر حاليًا بالشكل الكافي.
وأضاف أن الحديث عن استخدام الطائرات الإسرائيلية يظل واردًا نظريًا، لكنه لا يرقى إلى مستوى الحرب الشاملة، مؤكدًا أن كل ما يجري الآن يتمحور حول التصريحات والضغوط السياسية أكثر من كونه استعدادًا عسكريًا مباشرًا.
ردود الفعل الإيرانية ومخاطر التصعيد
وأكد الخبير العسكري أن إيران لوّحت بردود قوية في حال تعرضها لهجوم، من بينها استهداف دول الخليج ومنابع النفط، وهو ما يجعل أي مغامرة عسكرية محفوفة بمخاطر إقليمية جسيمة. كما أشار إلى أن تراجع العملة الإيرانية والاضطرابات الداخلية لا يعني بالضرورة قرب انهيار النظام، بل قد تدفع إلى مزيد من التشدد.
واختتم اللواء سمير فرج تحليله بالتأكيد على أن الهدف الأمريكي الأساسي يتمثل في تحجيم البرنامج النووي الإيراني، وليس خوض حرب شاملة أو إسقاط الدولة بالقوة العسكرية. ورجّح أن تلجأ إيران في النهاية إلى التفاوض وتقديم تنازلات محسوبة في الملف النووي، لتجنب سيناريوهات أكثر خطورة، مؤكدًا أن المنطقة تقف على مفترق طرق حساس، تحكمه حسابات دقيقة أكثر مما تحكمه طبول الحرب.