تتزايد الأهمية الاستراتيجية لجزيرة جرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، مع تصاعد التنافس الدولي على مصادر الطاقة والمعادن الحرجة، في ظل التحولات الجذرية التي يشهدها النظام العالمي للطاقة، وسعي القوى الكبرى إلى تأمين سلاسل الإمداد بعيدًا عن مناطق النفوذ التقليدية.
ثروات معدنية تدعم تحول الطاقة
تتمتع جرينلاند باحتياطيات ضخمة من المعادن الأرضية النادرة والمعادن الاستراتيجية اللازمة لتقنيات الطاقة النظيفة، مثل الجرافيت والنحاس والنيكل والكوبالت والزنك، وهي عناصر لا غنى عنها في تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، وتحديث شبكات الكهرباء.
ووفقًا لدراسة صادرة عن منظمة الدول العربية المصدرة للبترول (أوابك)، تحتوي الجزيرة على نحو 36.1 مليون طن من المعادن الأرضية النادرة، فيما تشير تقديرات أمريكية إلى أن 1.5 مليون طن منها قابلة للاستخراج اقتصاديًا، مع وجود 37 معدنًا حرجًا من أصل 60 معدنًا تصنفها الولايات المتحدة ضمن قائمة المعادن الحيوية.
موارد غير مستغلة وتحديات معقدة
رغم هذه الثروة الهائلة، لا تزال موارد جرينلاند غير مستغلة على نطاق واسع، نتيجة قسوة الظروف المناخية، وضعف البنية التحتية، والتكاليف الاستثمارية المرتفعة، فضلًا عن التحديات التنظيمية والبيئية.
وتُعد جرينلاند أكبر جزيرة في العالم، بمساحة تفوق 2.17 مليون كيلومتر مربع، وتغطي الصفائح الجليدية الدائمة قرابة 80% من مساحتها، ما يفرض تحديات هندسية ولوجستية جسيمة أمام أي نشاط تعديني أو طاقي واسع النطاق.
منجم كفانيفيلد.. فرصة اقتصادية مقيدة
يبرز منجم Kvanefjeld كأحد أكبر مشروعات المعادن الأرضية النادرة غير المطورة عالميًا، إذ يضم معادن مغناطيسية نادرة تدخل في صناعات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والإلكترونيات المتقدمة، مع احتياطيات تكفي لتشغيله لأكثر من 37 عامًا.
إلا أن المشروع يواجه عائقًا قانونيًا يتمثل في التشريعات التي تحظر استغلال أي مورد يتجاوز محتوى اليورانيوم فيه 100 جزء في المليون، بينما تصل نسبة اليورانيوم في خامات المنجم إلى نحو 360 جزءًا في المليون.
تشريعات جديدة ومساعٍ لجذب الاستثمار
في خطوة لإعادة تنشيط قطاع التعدين، أقرّت جرينلاند قانون المناجم الجديد الذي دخل حيز التنفيذ مطلع عام 2024، بهدف تبسيط إجراءات التراخيص، وتعزيز الشفافية، مع الالتزام بتقييمات الأثر البيئي والاجتماعي، وربط عوائد التعدين بأهداف التنمية وتقليل الاعتماد على الدعم الدنماركي.
اعتماد مالي وشراكات دولية
تعتمد جرينلاند بشكل كبير على الدعم المالي الدنماركي الذي يبلغ نحو 511 مليون دولار سنويًا، ما يمثل قرابة 20% من ناتجها المحلي الإجمالي، الأمر الذي يدفعها للاعتماد على الاستثمارات الأجنبية.
وفي هذا الإطار، حصل مشروع Tanbreez على تمويل أمريكي بقيمة 120 مليون دولار، بينما صنف الاتحاد الأوروبي مشروع Amitsoq للجرافيت كمشروع استراتيجي، مع تعزيز الاستثمارات الدنماركية في شركات التعدين العاملة بالجزيرة.
صراع دولي على المعادن
يتزايد التنافس الدولي على موارد جرينلاند، إذ وقع الاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم مع حكومة الجزيرة لتأمين إمدادات المعادن الحرجة ودعم التحول الأخضر، في حين تسعى الصين إلى توسيع نفوذها في هذا القطاع ضمن استراتيجيتها لتأمين المعادن النادرة، رغم القيود التشريعية التي أعاقت تقدم مشروعاتها.
النفط.. حضور محدود وأهمية جيوسياسية
على الرغم من وجود تقديرات تشير إلى احتواء شمال شرق جرينلاند على ما يزيد على 31 مليار برميل من النفط المكافئ، فإن الحكومة قررت وقف منح تراخيص جديدة للتنقيب منذ عام 2021، نظرًا لارتفاع التكلفة البيئية وضعف الجدوى الاقتصادية.
وتبرز أهمية جرينلاند في أسواق النفط من زاوية جيوسياسية، حيث يمنحها موقعها في القطب الشمالي دورًا محوريًا في مراقبة الممرات البحرية التي قد تتحول مستقبلًا إلى طرق رئيسية لتجارة النفط مع تراجع الغطاء الجليدي.
إعادة رسم النفوذ العالمي
يعكس الاهتمام الأمريكي المتجدد بجرينلاند سعي واشنطن إلى تقليص اعتمادها على الصين، التي تهيمن على غالبية إنتاج ومعالجة المعادن الأرضية النادرة عالميًا، في إطار استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وتعزيز أمن الطاقة.
وفي المقابل، تعمل الصين على ترسيخ حضورها في القطب الشمالي عبر مشروع طريق الحرير القطبي، الذي قد يحدث تحولًا في حركة التجارة العالمية، ويختصر زمن الشحن بين آسيا وأوروبا بنحو 20 يومًا.

