تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا يقول صاحبه: هل يجب الصيام على مريض الزهايمر، أو يجوز له أن يُفطر؟ وهل يجب عليه القضاء إذا أفاق؟
وأجابت الإفتاء عن السؤال قائلة: إن مريض الزهايمر يمر بمراحل ثلاث؛ تظهر فيها الأعراض بشكل تدريجي، وهي وإن اشتركت في معنى النسيان والتِّيه ونقص الإدراك، إلَّا أنها تتفاوت في درجة المرض ومراتب الإدراك والقدرة على التحكم في الذات.
- المرحلة الأولى منها: يتعلق بها الحكم التكليفي في أداء الصيام، غير أن الحكم فيها منوطٌ بالقدرة والاستطاعة، لما تقرر أن "الميسور لا يسقط بالمعسور"، وقد يستخدم المصاب بجانب العلاج بعض الوسائل المُعينة له على التذكر وإتمام العبادات.
- أما الحالتان؛ الثانية والثالثة: فتدخلان تحت الأمراض العقلية المنصوص عليها، التي تغلب العقل فتُفسِد أثره وتُعطِّل فعله، والتي اتفق العلماء على أن المُصابَ بها لا يلزمه الصيام، ولكن لو برئ من مرضه أثناء شهر رمضان تعلق به التكليف حينئذٍ ولزمه الخطاب، فيجب عليه الصيام، وأمَّا ما فاته من صيامٍ أثناء المرض: فالجمهور على أنه لا يقضيه، سواء قلَّ أم كثر، والنص وإن ورد في المجنون والمعتوه، إلَّا أنه قيس عليهما مَن زال عقلُهُ بسببٍ يعذر فيه.
التكليف بالعبادات البدنية لمريض الزهايمر
بالرغم من أنَّ المراحلَ الثلاث تشترك في معنى النسيان والتِّيه ونقص الإدراك، إلَّا أنَّ هذه المراحل تتفاوت فيما بينها من حيثُ درجة المرض ومراتب الإدراك والقدرة على التحكم في الذات.
فالمرحلةُ الأولى:
قد يستطيع معها المريض إنجاز كثير من مهامه وواجباته ومتطلباته، ومنها العبادات البدنية؛ كالصلاة والصيام ونحوهما، فإذا استطاع المريض القيام بأداء العبادة: وجب عليه أداؤها؛ بناءً على القاعدة الشرعية: "الميسور لا يسقط بالمعسور"، وهي من أشهر القواعد المستنبطة من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»؛ كما في "الأشباه والنظائر" للإمام السبكي (1/ 155، ط. دار الكتب العلمية)، وقد يستخدم مصاب الزهايمر بجانب العلاج والأدوية بعض الوسائل المُعينة له على التذكر وإتمام العبادات.
أما المرحلتان الثانية والثالثة: فيغلب فيها المرض على عقلِ المُصاب؛ فيضطرب إدراكُهُ ويختلُّ فِعْلَهُ، وهي بذلك تُعَدُّ درجة من درجات زوال العقل؛ فكما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه -فيما نقله عنه صاحب "البيان" (2/12، ط. دار المنهاج)-: [إنَّ أقل زوال العقل: أن يكون مختلطًا؛ فيعزب عنه الشيء وإن قلَّ، ثم يثوب إليه عقله] اهـ.
وقد تقرر أن العقل هو تمام أهلية الإنسان التي عليها مدار تكليفه وخِطابه من الأوامر والنواهي؛ وذلك لكونه آلة الفهم ووسيلة الإدراك:
قال العلامة زين الدين بن قُطْلُوْبُغا في "خلاصة الأفكار" (ص: 179، ط. دار ابن حزم): [وتمام الأهلية الذي جعل منه مناط التكليف المعتبر فيها: العقلُ] اهـ.
فإذا طرأ على العقل مرضٌ أو عرَضٌ أفسد أثره وعطَّل فعله؛ بحيثُ يسبب له خللًا في أداء وظائفه الأساسية؛ كان لذلك أشد الأثر في سلب الأهلية وتغير الأحكام:
قال العلامة شمس الدين الفناري في "فصول البدائع" (1/ 323، ط. دار الكتب العلمية): [كالصغر عارضٌ على أهلية وجوب الأداء؛ لأنها شأن العقل والبلوغ، بخلافهما، وكالجنون، والعَتَه، والنسيان، والإغماء؛ فإنها أمراض لخصوصياتها أثرٌ في سلب الأهلية أو تغيير كثير من الأحكام] اهـ.
وعوارض الأهلية: يدور معناها حول صلاحية الإنسان للوجوب والتكليف؛ فهي عبارة عن خصال أو آفات لها تأثير في الأحكام بالتغيير أو الإعدام، وهي تنقسم إلى: أهلية وجوب، وأهلية أداء.
أما أهلية الوجوب: فهي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه معًا أو له فقط، ويعبَّر عنها "بأهلية الشخص للإلزام والالتزام".
وأما أهلية الأداء: فهي صلاحية الإنسان لكون ما يصدر عنه معتبرًا شرعًا، فهي صفة تجعل المرء أهلًا للإيجاب والقبول والإنشاء وغيرها من الأعمال التي اشترط الشرعُ العقلَ لاعتبارها، ويتوقف على تلك الأهلية اعتبار التصرفات سواء كانت قولية أو فعلية، وهذه الأهلية قد يطرأ عليها ما يؤثِّر بالنقص أو الزوال؛ كالجنون، والعته، والنسيان، والنوم، والإغماء، والجهل، والسكر، والخطأ، والإكراه، ونحو ذلك.
وسميت عوارض الأهلية بذلك: لمنعها الأحكام المتعلقة بأهلية الوجوب؛ كالموت، أو لأهلية الأداء؛ كالجنون والنوم والإغماء، أو مُغيرة لبعض الأحكام مع بقاء أصلها؛ كالسفر؛ كما قاله العلامة ابن أمير الحاج في "التقرير والتحبير" (2/ 172، ط. دار الكتب العلمية).
وهذه العوارض هي حالة من حالات ذهاب المحل، فإذا طرأ للعقل عارض أَثَّر على إدراكه بالنقصان أو الزوال: انعدم محل الحكم؛ لذلك رفع الشرع الشريف عن مريض العقل التكليفَ وأسقط عنه الخطاب؛ فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: "مُرَّ على علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمجنونةِ بني فلان؛ زَنَتْ، فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجمها، فردها علي بن أبي طالب، وقال لعمر: يا أمير المؤمنين أمرت برجم هذه؟ قال: نعم، قال: وما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ»؟ قال: صدقتَ"، فخلى عنها. رواه أبو داود والنسائي والدارقطني في "سننهم"، وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما"، والحاكم في "المستدرك"، وصححه. قال أبو داود: رواه ابنُ جُريجٍ عن القاسم بن يزيد، عن عليٍّ رضي الله عنه، زادَ فيه: «والخَرِفِ».
وفي روايةٍ: «وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ» أخرجه أبو داود في "السنن"، والطيالسي وأحمد وأبو يعلى والشاشي في "مسانيدهم"، من حديث عليِّ بن أبي طالب وعائشة رضي الله عنهما.
وفي رواية: «وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَعْقِلَ» أخرجه أحمد في "مسنده" من طريق أبي ظبيان.
وفي رواية: «وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ» أخرجه ابن الجارود في "المنتقى"، وابن ماجه والبيهقي في "السنن"، والحاكم في "المستدرك"، من حديث عائشة رضي الله عنها.
وفي رواية: «وَعَنِ المُصَابِ حَتَّى يُكشَف عَنهُ» أخرجه أحمد في "مسنده" من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وصحح إسنادَه ابن الجزري في "مناقب الأسد الغالب".
والمعاني الواردة في الأحاديث كلها متقاربة أو متوافقة؛ كما قال الإمام السبكي في "إبراز الحكم" (ص: 98، ط. دار البشائر)، وهي تدل على عدم تعلق الخطاب التكليفي بهذه الخصال:
قال العلامة المغربي في "البدر التمام شرح بلوغ المرام" (8/ 79، ط. هجر): [والحديث فيه دلالة على أن الثلاثة لا يتعلق بهم الخطاب التكليفي، وهذا مجمعٌ عليه] اهـ.



