أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن المتأمل في قصة سيدنا نوح عليه السلام قبل الآية الواردة في سورة هود يكتشف أنه قدّم نموذجًا فريدًا في تنوّع أساليب الدعوة، موضحًا أن سورة نوح تُعد بمثابة أكاديمية قرآنية كاملة في فن الدعوة، حيث قال: «رب إني دعوت قومي ليلًا ونهارًا»، فدعا في كل الأوقات، وبكل الوسائل، سرًا وجهرًا، جماعات وأفرادًا، دون أن يترك طريقًا من طرق البلاغ إلا وسلكه.
وأضاف عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة DMC اليوم الجمعة، أن القرآن صوّر شدة إعراض القوم تصويرًا بليغًا في قوله تعالى: «جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم»، مبينًا أن التعبير بـ«أصابعهم» من باب المبالغة، أي أنهم بالغوا في سدّ آذانهم حتى لا يسمعوا الحق، بل كانوا يغطّون وجوههم وثيابهم حتى لا يروا نبيهم، في دلالة على رفض نفسي شديد قبل أن يكون رفضًا فكريًا.
وأوضح أن قوله تعالى في سورة هود: «ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم» يحمل معنى عميقًا لكلمة «النصح»، فالنصيحة هي خلاصة الأمر وزبدته، وهي القول الخالص الذي لا يختلط به هوى ولا مصلحة شخصية، ولذلك جاء في الحديث: «الدين النصيحة»، كما أن التوبة النصوح هي التوبة الخالصة التي لا تختلط بالإصرار على المعصية أو حقوق العباد.
وأشار إلى أن بعض الشباب يسيئون فهم قوله تعالى: «إن كان الله يريد أن يغويكم»، موضحًا أن «إن» هنا أداة شرط لا تفيد الجزم والقطع، بخلاف «إذا» التي تفيد التحقيق، وأن الآية جاءت على سبيل التنزل في الخطاب ومجاراة الخصم، أي على فرضٍ جدليٍّ للتوضيح، وليس تقريرًا بأن الله يريد الإغواء.
وبيّن الشيخ خالد الجندي أن هذا الأسلوب شبيه بقوله تعالى: «قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين»، وهو طرحٌ افتراضي لبيان بطلان الفكرة، مؤكدًا أن إرسال الأنبياء في ذاته دليل قاطع على أن الله لا يريد إغواء الناس، إذ لو أراد إضلالهم ما أرسل إليهم رسلًا ولا أنزل كتبًا لهدايتهم.
وأوضح أن سيدنا نوح عليه السلام قد استنفد كل وسائل الدعوة والنصح الخالص، ومع ذلك لم يستجب قومه، ما يؤكد أن عدم استجابة المدعوين لا يعني تقصير المربي أو الداعية، بل إن الهداية بيد الله، وأن واجب الإنسان هو بذل النصح الصادق الخالص، مع الاستمرار في الإصلاح دون يأس مهما طال الزمن أو قلّ التأثير.

