قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

المسحراتي.. قصة حارس ليالي رمضان الذي أيقظ القلوب قبل البيوت

المسحراتي
المسحراتي

من صوت الطبل في الأزقة القديمة إلى أثير الإذاعة والتلفزيون، ظل “المسحراتي” واحداً من أبرز رموز شهر رمضان، و واحدا من الملامح التراثية التي لا تكتمل أجواء الشهر الفضيل من دونها.

مهنة موسمية لا تتجاوز شهراً واحداً، لكنها تحمل تاريخاً طويلا يمتد إلى بدايات الإسلام، وتختزن في تفاصيلها روح البهجة الشعبية والحنين إلى زمن البساطة.

مهنة بطعم الذكريات

المسحراتي هو ذلك الشخص الذي يجوب الشوارع قبيل الفجر، يوقظ الناس لتناول السحور، حاملاً طبلته الصغيرة، مردداً أهازيج شعبية ارتبطت بذاكرة الأجيال. 

وكانت عباراته البسيطة، مثل “اصحى يا نايم وحد الدايم”، كافية لتبعث الدفء في ليالي رمضان، خاصة لدى الأطفال الذين كانوا ينتظرون ظهوره بشغف ويرافقونه في جولاته.

جذور تعود إلى فجر الإسلام

تعود أصول فكرة التسحير إلى صدر الإسلام، حيث يُروى أن الصحابي الجليل بلال بن رباح كان يوقظ الناس للسحور بالأذان الأول، بينما كان عبد الله بن أم مكتوم يؤذن للفجر إيذاناً ببدء الإمساك وفي مكة، كان من يوقظ الناس يصعد المآذن حاملاً قنديلاً ليُرى من بعيد، في مشهد يختلط فيه النداء بالضوء والروحانية.

من وظيفة عملية إلى طقس رمضاني

مع مرور الزمن، لم يعد دور المسحراتي مقتصراً على إيقاظ النائمين، خاصة مع تطور وسائل التنبيه الحديثة، بل تحول إلى تقليد رمضاني يعكس روح التكافل والفرح ففي القرى والأحياء الشعبية، ظل حضوره رمزاً للحميمية، ورسالة تذكير بقيم الشهر الكريم.

بصمة مصرية في فن التسحير

شهدت مصر تطوراً كبيراً في شكل المسحراتي، إذ ينسب إليها إدخال “الطبلة” كأداة رئيسية للتسحير، إلى جانب الأشعار والزجل الشعبي.

وكان المسحراتي ينادي أسماء أطفال الحي، ما أضفى طابعاً شخصياً دافئاً على جولاته الليلية.

كما ظهرت نسخ نسائية من المسحراتي في بعض المناطق، حيث كانت السيدات يجُبن الشوارع مرددات الأهازيج، في مشهد يعكس تداخل التراث مع الحياة اليومية.

من الأزقة إلى الإذاعة

بلغت مهنة المسحراتي ذروة حضورها الفني في القرن العشرين، حين تعاون الشاعر فؤاد حداد مع الموسيقار سيد مكاوي لتقديم شخصية المسحراتي في قالب فني عبر الإذاعة عام 1964.

 ونجح مكاوي في تحويل التسحير إلى عمل إبداعي يجمع بين الوعظ والغناء والروح الوطنية، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى شاشة التلفزيون.

تنوع الطقوس في العالم الإسلامي

اختلفت طرق التسحير من بلد إلى آخر، لكن الهدف ظل واحداً
في الشام كان المسحراتي يعزف على العود والطنابير وينشد الأناشيد الدينية و في اليمن والمغرب استخدمت وسائل مختلفة مثل قرع الأبواب أو العزف على المزمار.

في مصر والسودان كان المسحراتي يتجول ومعه طفل يحمل فانوساً يضيء الطريق.

هذا التنوع منح المسحراتي بعداً ثقافياً يعكس هوية كل مجتمع وتقاليده.

المسحراتي في العصر الحديث

رغم تراجع الحاجة العملية للمسحراتي مع انتشار المنبهات والهواتف الذكية، فإنه لا يزال حاضراً كرمز تراثي في كثير من البلدان.

ففي بعض الأحياء القديمة والمناطق الشعبية، يخرج المسحراتي كل عام ليحافظ على تقليد يربط الحاضر بالماضي، ويعيد للأذهان دفء ليالي رمضان القديمة.

أيقونة لا تغيب عن الذاكرة

يبقى المسحراتي أكثر من مجرد مهنة موسمية؛ إنه ذاكرة حية تختزل روح رمضان وملامح المجتمع من صوت بلال في بدايات الإسلام إلى إبداع سيد مكاوي في العصر الحديث، ظل هذا التقليد شاهداً على قدرة التراث على البقاء، مهما تغيّرت الأزمنة والوسائل.